القادمون من المريخ
بقلوب ملؤها المحبة وأفئدة تنبض بالمودة
وكلمات تبحث عن روح الاخوة
نقول لك أهلا وسهلا زائرنا الكريم
اهلا بك بقلوبنا قبل حروفنا بكل سعادة وبكل عزة

ندعوك للتسجيل اذا احببت الانضمام لاسرتنا والمشاركة معنا
ولا تبخل علينا بمشاركاتك
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
» رام الله - وطن للأنباء - يوسف الشايب
الإثنين 5 نوفمبر - 22:34 من طرف فايز سليمان

» هذا البيان لاثبات من يقوم بقصف اليرموك
الإثنين 5 نوفمبر - 22:32 من طرف فايز سليمان

» رفضًا لتصريحات محمود عبّاس
الأحد 4 نوفمبر - 12:13 من طرف سالي

» من قام بحادث رفح
الجمعة 2 نوفمبر - 0:06 من طرف فايز سليمان

» الجزء الثاني
الخميس 1 نوفمبر - 15:50 من طرف فايز سليمان

» هل تتذكرون
الخميس 1 نوفمبر - 15:36 من طرف فايز سليمان

» الفرقان الحق ( بدلاً عن القرأن )
الخميس 1 نوفمبر - 15:34 من طرف فايز سليمان

» خواني واخواتي
الخميس 1 نوفمبر - 15:31 من طرف فايز سليمان

» نقلا عن الأسبوع المصرية
الخميس 1 نوفمبر - 15:29 من طرف فايز سليمان

التبادل الاعلاني
احداث منتدى مجاني
تصويت

رواية دم لفطير صهيون ج 6 -الكاتب نجيب الكيلاني

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

رواية دم لفطير صهيون ج 6 -الكاتب نجيب الكيلاني

مُساهمة من طرف خالد النبهان في الأربعاء 23 فبراير - 21:30

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

رواية دم لفطير صهيون ج 6 -الكاتب نجيب الكيلاني
=======================
رشدها، وتستمر في صومها، صوم الجسد عن المحرمات.. هي لا تنكر أن لها مع زوجها مأساة من نوع خفي يجهله الناس، وتعرفه هي تمام المعرفة، لكن علاج الأمر لا يكون بالجنوح إلى الرذيلة، أليس بإمكانها أن تنفصل عنه، وتبحث لها عن زوج آخر؟ إن هذا التصرف برغم صعوبته وآثاره المؤلمة قد يكون أليق بها كإنسانة تؤمن بالقيم المتوارثة، والأخلاق المتعارف عليها، وبرغم كل ذلك فهي الآن لا تنظر إلا إلى الرجل الذي يذوي وينتحب خلف القضبان، تريده أن يحيا أولاً، وأن يعود إليها ولتترك ما بقي إلى الله..


انزعجت (كاميليا) حينما علمت أن الوساطة قد باءت بالفشل، وأن التحقيق قد بوشر في القضية الجديدة، قضية الرشوة التي أبلغ عنها قنصل فرنسا، وكانت تعلم كما يعلم الناس أن شريف باشا والي دمشق صعب المراس، وأنه قد يصدر أمره في أي وقت من الأوقات كي ينفذ عساكره الحكم الصادر ضد اليهود، ولذا كانت تجري هنا وهناك وتلتقي ببعض رجالات الدول الأجنبية، وتوعز إليهم أنه إذا لم تكن هناك وسيلة لإنقاذهم فسيضطر بيت هراري كله نساءً ورجالاً إلى اعتناق الإسلام، حتى يفلت الرجال من حبل المشنقة، وفي ذلك عار كبير لليهود واليهودية، ولم يأل اليهود وسعاً في البحث عن وسيلة..
وكاد الحكم أن ينفذ لولا أن قنصل فرنسا رأى أن يُرفع الحكم للتصديق عليه من إبراهيم باشا بن محمد علي، وفي هذه الأثناء جدت أمور مثيرة..

تأزم الموقف، وخاصة في أوروبا، إذ أقام اليهود الدنيا وأقعدوها، بتحريض من جماعة الاتحاد الإسرائيلي في أوروبا، وكان قناصل الدول يرسلون بتقارير وافية إلى عواصم دولهم، عن هذه القضية، ورأى كبار اليهود في أوروبا أن يحاولوا بشتى الطرق وقف تنفيذ الحكم لفترة يستطيعون خلالها أن يجدوا حلاً.. ولن يستطيعوا تعويق القضية إلا بدفع مبلغ كبير من المال لمحمد علي شخصياً، والاستفادة من بعض الضغوط السياسية العالمية، وخاصة أن محمد علي باشا، حاكم مصر والشام في تلك الفترة، يقاوم تياراً جارفاً من العداء التركي وبعض الدول الأوروبية، وكان اليهود الأوروبيون ينظرون إلى القضية على أنها أمر يمس الديانة ومستقبلها، ويمس اليهود ككل في أنحاء العالم الإسلامي والمسيحي، وليس الأمر مجرد عشرة أفراد حكم عليهم بالإعدام، في قضيتي البادري وخادمه. وأجريت اتصالات سريعة وعلى أعلى المستويات مع والي مصر محمد علي باشا، وقدم إليه اثنان من كبار اليهود الأوروبيين ممثلين لجمعية الاتحاد الإسرائيلي هما (كراميو) و(مونتيفيوري) الفرنسيان. استقبلهما محمد علي بالترحاب البالغ بعد أن تسلم الثمن..

قال (كراميو):
- (نحن نلتمس منكم إعادة النظر في الدعوى..).

ابتسم محمد علي في دهاء وقال:
- (أفهم ما ترميان إليه.. تريدان حل الأزمة بطريقة قانونية حتى لا يثور أبناء الشعب ضدي.. تقصدان محاكمة جديدة.. ثم ينكر المتهمون الاعترافات السابقة.. ثم يصدر الأمر بالبراءة..).

قال (مونتيفيوري) اليهودي الداهية:
- (هو ذاك..).

هز محمد علي رأسه قائلاً:
- (ليس لدي وقت لهذا كله، ثم إني لا أخاف أحداً.. الشعب في قبضة يدي، ولا يستطيع أحد أن يعترض على قرار أتخذه.. إن لي رأيي الخاص الذي لا أخاف أن أواجه الناس به..).

وابتلع جرعة من القهوة التركية وقال:
- (سأفعل معكما أحسن من ذلك، هو أني سأخلي سبيل المحبوسين وأأمر بإرجاع الهاربين إلى أوطانهم، وأظن أن ذلك أفضل من إعادة النظر في القضية، لأن إعادة النظر مما يتسبب عنه استمرار الضغائن بين المسيحيين واليهود، وهذا أمر لا أوده، وسأخبر القناصل بإرادتي، وأرسل أوامري الليلة إلى شريف باشا.. إنني أحب اليهود لأنهم شعب مطيع يحب الشغل، وإني سأظهر لكم ما يفيد ميلي إليهم بكل ممنونيتهم..). [هكذا في الأصل].

ثم سلمهما (فرمان) العفو وذكر فيه هذه الألفاظ لشريف باشا:
- (اعف عن المسجونين).




خرج المندوبان وفي يديهما صورة من فرمان العفو، وتوقف (كراميو) لحظة وقال:
- (هذا فرمان خطير يا مونتيفيوري).

- (لقد حققنا نصراً عظيماً، بثمن بخس..).

- (أنت واهم.. لقد سقطنا سقطة كبرى..).

- (ماذا تعني يا كراميو..).

قال كراميو ويده ترتجف بالفرمان:
- (إن كلمة العفو معناها أنهم أدينوا، وفي ذلك فضيحة عالمية وخطر كبير على ديننا).

- (هو صحيح، لكن ماذا نفعل أكثر من ذلك؟؟).




ورأى الرجلان أن يعودا مرة ثانية إلى الوالي محمد علي باشا الذي استقبلهما بالترحاب المعهود.. وقال كراميو في أدب:
- (لقد أردنا أن نبلغ الباشا العظيم أننا قررنا التبرع لحكومته الرشيدة بمبلغ يفوق المبلغ السابق).

ابتسم محمد علي ابتسامة تاجر قديم كان يبيع الدخان في (قولة) وقال وهو يعبث بلحيته الطويلة:
- (لا شك أنكم تريدون شيئاً آخر غير العفو).

أردف مونتيفوري هذه المرة:
- (سنضع المزيد من إمكانياتنا إلى جانبك في حربك مع أعدائك، سواء
من المال أو السلاح أو التأييد السياسي، وسيكون أبناء ملتنا في مصر والشام خداماً مخلصين لك.. بل وفي أوروبا أيضاً..).

انتشى محمد علي من الكلمات الحلوة المفرحة وقال:
- (لا أريد مساومة أكثر.. أوجزوا وأفصحوا عما تريدون..).

- (العفو، أطال الله عمرك، معناه أنهم أذنبوا وثبتت الجريمة ضدهم، ولسوف يعانون من جراء ذلك بعد العفو عنهم..).

ضحك محمد علي ضحكة من أعماقه.. ثم قال:
- (ماذا تظنون إذن؟؟ إنني أثق في شريف باشا وفي قناصل الدول الذين أشرفوا على كل مراحل التحقيق..).

طأطأ الرجلان رأسيهما بينما همس (كراميو) في شيء من الجرأة:
- (التشكيك في الجريمة من مصلحة الجميع..).

هز محمد علي رأسه عنوان الموافق، وأراد أن يُنهي الأمر بسرعة، وتمتم:
- (إن القضية قد اتسعت وشغلت الأذهان، ويجب أن نبتر الاهتمام بها نهائياً..).

ثم أمر بكتابة (فرمان) آخر تحققت فيه رغبة اليهوديين الكبيرين..

(إلى شريف باشا والينا في دمشق..
إنه من التقرير المرفوع إلينا من الخواجات (مويز مونتيفيوري) و(كراميو) اللذين أتيا لطرفنا مرسلين من قبل عموم الأوروبيين التابعين لشريعة موسى، اتضح لنا أنهم يرغبون في الحرية والأمان للذين صار سجنهم من اليهود، وللذين ولوا الأدبار هرباً من تهمة حادثة الأب توما، الراهب الذي اختفى في دمشق في شهر ذي الحجة سنة 1255 للهجرة مع خادمه إبراهيم..
وبما أنه بالنظر لعدد هذا الشعب الوفير، لا يوافق رفْضَ طلبهما، فنحن نأمر بالإفراج عن المسجونين وبالأمان للهاربين من القصاص عند رجوعهم، ويترك أصحاب الصنائع في أشغالهم، والتجار في تجارتهم، بحيث أن كل إنسان يشتغل في حرفته الاعتيادية، وعليكم أن تتخذوا كل الطرق المؤدية لعدم تعدي أحد عليهم أينما كانوا، وليتركوا وشأنهم من كل الوجوه، هذه إرادتنا).

[بصمة ختم محمد علي]

صورة طبق الأصل..




عندما قرأ شريف باشا والي دمشق ذلك (الفرمان) الغريب لهثت أنفاسه، ودارت به الأرض، اشتد به الضيق، وأقعده الخطب الجسيم عن النهوض، ورنت في رأسه كلمة (العدالة).. لم يذبح البادري وخادمه وحدهما، وإنما قطع جسد العدالة إرباً إرباً، سبعة شهور من التحري والتدقيق والتحقيق.. اعترافات كاملة.. شهادات ثابتة.. حتى البلاطة المنفسخة التي حطمت عليها جمجمة الباردي.. وقطع طربوشه.. وعظامه.. والسكين.. ويد الهاون.. تعاليم التلمود الصريحة.. أقوال الحاخامات.. التفاصيل الدقيقة الصغيرة لكل شيء.. يا ضيعة العدالة.. قناصل الدول الذين شهدوا كل شيء.. وتحققوا من كل شيء.. قضية الرشوة الأخيرة.. العدالة.. العدالة.. هاهاها..!

وأخذ شريف باشا يضحك في هستيرية ثم صاح فحضر العسكر، فقال لهم بصوت عال أجش:

- (أفرجوا عن جميع اليهود المسجونين.. تلك إرادة الوالي باشا الأعظم، وليحيى العدل..).

كان ذلك في يوم 5 سبتمبر (أيلول) عام 1840 ميلادية.


ليالي دمشق نومها عذاب، ونهار دمشق عيون وجلة، ووجوه مكفهرة، والأحاديث هامسة مشحونة بالثورة، وعاد الناي الحزين يرتل أنغامه على شاطئ (بردى) ومواويل الحفاة والعراة هي سجل التاريخ الصادق، مواويل ينساب منها الحنين، وتنسكب الدموع..

قال شيخ ضرير يؤم المصلين بعد أن أدى فريضة الفجر:

- (كل من عليها فان، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام، تذكروا يهود بني قريظة.. كانوا يا أبنائي حلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم، اتفقوا معه على أن يردوا كل مهاجم أو معتدٍ على يثرب، وأن يمدوا الرسول صلى الله عليه وسلم بالمؤن والرجال، عند الضرورة، وجاء (الأحزاب) من كل مكان لحرب الرسول صلى الله عليه وسلم، أحاطوا بالمدينة، كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد حفر هو وأصحابه خندقاً كبيراً فلم تستطع الأحزاب أن تعبره.. ولم يبق إلا المؤخرة، ولكن فيها حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم من اليهود.. وغدَرَ اليهود.. نكثوا العهد.. ظنوا أن انحيازهم لقريش والأحزاب سيقضي على الإسلام والمسلمين إلى الأبد، ولكن الله سلم، وصمد المسلمون، وعصفت الريح وتبدد شمل الأعداء، واستدار الرسول صلى الله عليه وسلم ليُنزِل بالغادرين العقاب، كان عقاباً صارماً لا يُنسى).

ثم تنهد الشيخ الضرير وقال:

- (عن ربّ العزة يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: يا عبادي، إني حرّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا.. والظلم أيها الإخوة ظلمات يوم القيامة.. فلتقرؤوا الفاتحة على أن يقصم الله ظهر الظالمين..).

وفهم الحاضرون ما يريد الشيخ أن يقوله، واعتصموا بالصمت، والصمت بركان حبيس لا يدري أحد متى ينفجر، فيدمر ويسحق الأخضر واليابس.. وصحا الرهبان في ذات اليوم في دير (تيرسانت)، وتراصوا للصلاة، كانت الدموع ممتزجة بالتراتيل الحزينة، ومن آن لآخر يرفع المرتل صوته باسم (يسوع)، وقال أحد الحاضرين وهو يسدد نظراته إلى صورة رائعة للمسيح:
- (ماذا أرى؟ إنها.. ليست صورة المسيح.. إني أرى وجه البادري توما..).

وربت أحد الآباء على رأسه في رقة:
- (لا تحزن يا بني.. زعموا أن البادري هاجر.. نعم هاجر إلى الله.. إلى ملكوت السماوات.. وصعدت روحه الطاهرة على صليب قاس صنعه يهود اليوم. دائماً يعبثون بكرامة الإنسان، ويتلذذون بتعذيب الأبرياء، الوحش يا أبنائي يلتهم الفريسة دون حقد أو تشف.. أما اليهود فقد كانوا يغنون ويرقصون ويضحكون، كانت حياة البادري توما عذراء طاهرة شفافة، وصعدت روحه إلى أبينا الذي في السماوات.. مضمّخة بالعطر والعبير والأهازيج القدسية..).

ثم تصاعدت تراتيل الراهبات الشجية توشّي الصمت والظلام بنغم حزين.




وقالت زوجة قنصل من قناصل الدول الكبرى:
- (إن ما حدث يعتبر مهزلة كبرى..).

قال زوجها القنصل ساخراً:
- (لا شك أنها قصة مسلية ومثيرة، وللسياسة أحكام يا زوجتي العزيزة، وميكيافيللي يقول في كتابه (الأمير): (الغاية تبرر الوسيلة..)).




وارتمى رجل سكران على قارعة الطريق وأخذ يهذي:
- (أنا بطل حرب (المورة).. أنا فارس (عكا).. أكلت مع إبراهيم
باشا على مائدة واحدة.. لكني والله ما قتلت البادري ولا أعلم عن الحادث شيئاً..).

وانفجر باكياً فجاء عسكري الدَّرَكْ وأخذ يجره إلى حيث لا يعلم أحد..




أمسكت امرأة صغيرة السن بطفلها ثم قرصته من خده وقالت:
- (إذا لم تسمع كلامي أرسلتك إلى حارة اليهود ليذبحوك..).




وقال يهودي نجار لزميله وهو يدق المسامير في عصبية:
- (إنهم لا يعرفون من نحن، لقد انتصرنا وخرجنا برغم أنف شريف باشا..).

- (آه.. وغداً تنفخ البوق في أريحا..).

- (ونعمّر أورشليم الخراب.. ونرشق راياتنا على أرض (الجول) الجرداء.. نحن كل شيء..).




ومالت راقصة يهودية على ثري من أثرياء الشام في إحدى الحانات، وهمست في دلال:
- (أتخاف مني؟).

رد عليها قائلاً:
- (يا سعادتي وهنائي لو مت بين يديك..).




وبالقرب من المسجد الأموي، وقف بائع الكتب والمخطوطات القديمة يتحدث مع بعض الشباب:
- (انظروا.. هذه كتب قديمة عن ذبائح اليهود، وهذه مخطوطات ألـّـفها علماؤنا الأقدمون عن فظائعهم وتاريخهم، ولكن للأسف أنتم لا تقرؤون..).




وقال رجل يقرأ القرآن على أحد المقابر لزميله:
- (أتعتقد أن البادري سيدخل الجنة..؟؟).
- (وهل آمن بالله ورسوله..؟؟).




أما الصيدلي سانتي صديق الأب توما فقد قال والدموع تترقرق في عينيه:
- (القصة قديمة.. الصراع بين الذهب والمبادئ.. الأنبياء وأتباعهم هم الذين استطاعوا بقوة المبادئ أن ينتصروا على إغراء الذهب، وما أكثر المعارك التي تكون فيها الغلبة للذهب.. للأسف الشديد!! توما ضحية العصر المنهار الذي يحكمه الذهب لا القانون.. توما الذي انتصر على سلطان الذهب القاهر، استطاع الذهب في النهاية أن يهدر دمه، ويضيع القصاص، ويسحق العدالة، ويلوي أعناق الحكام الكبار..).




واحتشد عدد من رجال الشرع والقانون، مسلمين ومسيحيين، وقرروا أن يكتبوا عريضة لمحمد علي باشا ولشيخ الجامع الأزهر يحتجون فيها على (الفرمان)، غير أن (أحد العقلاء) قال لهم:

- (لا تفعلوا شيئاً كهذا، وإلا ألقيتم بأنفسكم في مشاكل لا يعلم إلا الله مداها..).




وتألقت الأنوار في حارة اليهود، وتناهت إلى أسماع أهل دمشق الأغاني والموسيقى الهادرة، والطبول العالية، وامتلأت الحارة الشهيرة بالأعلام والرايات الملونة، وبصورة كبيرة لمحمد علي باشا، وعاد المتهمون إلى بيوتهم، وسط التظاهرات الصاخبة، وتلقت كاميليا زوجها وسط الزحام بالقبلات والعناق دون أن تشعر بأدنى حرج، وابتسم داود لها في ودّ بالغ..

أما سليمان الحلاق فقد بقي قابعاً في دكانه لا يعير الأمر اهتماماً، لكنه فكر في أن يبحث له عن مكان آخر يتخذ له فيه حانوتاً.. إنه يشعر بحصار من نوع ثقيل، لا يلمسه بيديه وحواسه ولكنه يشعر به ككابوس نفسي مرهق..

ومحمد أفندي أبو العافية، بعد أن غادر حارة اليهود إلى الأبد، كان يُرى كل صباح متأبطاً بعض الكتب الدينية والمصاحف، ومتجهاً إلى المسجد النبوي، ولم يعلق على خروج اليهود إلا بعبارة موجزة ذات معنى:
- (ليس المهم أن يخرجوا من السجن أو يبقوا فيه، ولا يهم أن يُعدموا أو تـُكتب لهم الحياة.. إن أخطر سؤال يواجه الإنسان المخلص هو: هل يسير على صواب أم يخوض في أشواك الهلاك والضلال؟؟).




وما أن هدأت الأحوال واستقرت الأمور وكاد الناس أن ينصرفوا عن حادثة البادري ومخلّفاتها حتى قدمت كاميليا إلى زوجها وقالت في هدوء تحسد عليه:
- (آن أن أخبرك بالحقيقة).

التفت إليها في دهشة وقال:
- (ماذا؟؟).

- (لقد قررت الرحيل).

- (كيف؟؟).

- (لقد أديت واجبي ويجب أن تنتهي حياتنا الزوجية)..

- (إنني لا أصدق ما أسمع.. كنت نِعْم الزوجة في محنتي..).

- (أما وقد انتهت المحنة يا داود.. فواجب أن تطلق سراحي).

- (كاميليا حبيبتي.. أنا ومالي وما أملك تحت تصرفك..).

قالت وهي تبتسم في مرارة:
- (حان الفراق.. ولا فائدة).

أحنى رأسه في ذلة.. فهم كل شيء.. اقترب منها في محاولة أخيرة، واختطف يدها وقبلها، ثم أقعى كالكلب على قدميها، فرجعت إلى الوراء بحركة سريعة:
- (لن أرجع في قراري..).

- (افعلي ما شئت يا حبيبتي، لك الحرية في أن تستكملي سعادتك بالطريقة التي ترينها.. لكن لا تتركيني..).

عادت تبتسم في مرارة.. لشد ما تحتقره الآن، تمالكت أعصابها وقالت في قوة وإصرار:
- (أنا خارجة ولن أعود.. وأي كلام بهذا الخصوص لا فائدة منه..).

رآها تسبغ الخمار على وجهها، وتحكم العباءة الرقيقة على جسدها الفاتن، وتخطو صوب الباب في إصرار.. فشعر بقسوة الحرمان، ومرارة العجز.. فهتف:
- (والطفلان؟؟).

دمعت عيناها، وتمتمت:
- (أنا في انتظارهما دائماً.. ولن أتخلى عنهما أو أنساهما..).

وأدرك للمرة الثانية في حياته، وبصورة أعمق وأفظع.. كيف يقاسي المطرود من النعيم، وشعر بكراهية قاتمة للحياة بكل ما فيها، ككراهيته اليوم للفطير المقدس.. بل إنه أصبح يكره كلمة (مقدس) نفسها.. وحاول أن ينهض فلم يستطع وترك لدموعه العنان..
تذييل

قصة بالوثائق

بقلم د. نجيب الكيلاني


لعل من العسير بعض الشيء، أن يكتب الأديب قصة فنية مدعمة بالوثائق، إن الوثائق غالباً ما تأتي جافة مباشرة ولا تهتم إلا بالحقائق المجردة، والصيغ التقليدية والعبارات الركيكة والمتداولة، والوثائق تبرز الحقائق الأولية، ولا تكترث بالأبعاد النفسية للشخصيات، وقد تغيب في ثناياها بعض الدوافع الهامة والأسس الخطيرة.. والفنان الذي يريد كتابة قصة مدعمة بالوثائق لا يستطيع أن يضع الوثائق متجاورة ويتقيد بحرفية التسلسل، وإلا كانت كتابته مجرد بحث تاريخي، أو دراسة قانونية محكمة، وهذا وضع قد يتعارض مع مستلزمات الفن القصصي، ويخرج به عن دائرة الإبداع المطلوب، والإجادة المرجوة، ومن ثم فلا طريق للفنان سوى أن يضع قاعدة عريضة وأساساً متيناً، يقيم عليهما بناءه الفني، ألا وهو الحقائق الكليّة، والاستعانة ببعض الوقائع المبتكرة. ولكي أزيد الأمر توضيحاً أقول: إن الحقائق الكلية، أقصد بها الأمور الثابتة، التي أبرزها التحقيق، وقررتها الوثائق دون شك، أما الوقائع المبتكرة وهي هامة للغاية، فأقصد بها محاولة رسم الخلفية الاجتماعية والعاطفية والنفسية للحدث.

إن زوجة داود هراري (كاميليا) مثلاً لم يُقصد بها سوى إبراز التناقض الحاد، والعفن الاجتماعي، والاضطراب العاطفي، الذي تفرزه التعاليم الزائفة المستقاة من شروح التلمود، وتعززه القيم الفاسدة، التي درج عليها المجتمع اليهودي، بما يسيطر عليه من جشع وأنانية ومادية مفرطة.. (كاميليا) رمز حيوي متحرك وتجسيم لمأساة الضلال اليهودي القديم، وصورة صادقة للعقد النفسية.. التي ينضح بها التاريخ الطويل لملة أصابها الزيف والشطط عبر العصور، وقس على ذلك ما قد يرد من حوار موضوع، أو مواقف متخيلة، لا تتنافى وطبيعة القضية المطروحة، ولا تخرج عن إطار الحدث المثير.

وإذا كان النهر يشق طريقه من المنبع إلى المصب بقوة ذاتية، وفق قوانين أزلية، فإن إرادة الإنسان الفنان كثيراً ما تحفر له الفروع، وتصنع منه الشرايين التي تزيد من فعالية النهر، وترفع من قيمته وجدواه، دون أن يطغى ذلك على الصورة التقليدية للنهر الكبير، المتدفق دائماً من المنبع إلى المصب..

وكان لزاماً من آن لآخر أن أثبت بعض النصوص بحذافيرها، دون أن يتعارض ذلك مع السياق الفني، وهذه النصوص أساسية وهامة، وتشكل جوهر قضية (الأب توما)، وبعض النصوص لجأنا إلى اختصارها، لتؤدي الغرض المطلوب دون إخلال بالحقيقة التاريخية أو الفنية.

إن حقد الصهيونية على المسيحية قديم، ومؤامراتها ضد الإسلام والمسلمين لا تخفى على أحد، وليس وراء هذه القصة من هدف سوى أن تعيد للأذهان حلقة من سلسلة طويلة من العداء الصهيوني، ضد الإنسانية جمعاء، لعل العالم المسيحي والعالم الإسلامي أيضاً يدركان خطر الموقف، وما يحفل به المستقبل من كوارث يطويها الحقد الصهيوني في قلبه الأسود منذ قرون طويلة، ولعل ذلك يكون ناقوساً يدق في عنف يوقظ النيام وسماسرة السياسة، والمتلاعبين بالألفاظ، وأدعياء البطولة، كي يعلموا أن الأمر جدُّ خطير وأن المعركة حاسمة..

ألا وإن الكمال لله وحده، وذلك جهد المقل والله الموفق.












خالد النبهان
Admin

عدد المساهمات : 115
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 29/12/2009

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى