القادمون من المريخ
بقلوب ملؤها المحبة وأفئدة تنبض بالمودة
وكلمات تبحث عن روح الاخوة
نقول لك أهلا وسهلا زائرنا الكريم
اهلا بك بقلوبنا قبل حروفنا بكل سعادة وبكل عزة

ندعوك للتسجيل اذا احببت الانضمام لاسرتنا والمشاركة معنا
ولا تبخل علينا بمشاركاتك
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
» رام الله - وطن للأنباء - يوسف الشايب
الإثنين 5 نوفمبر - 22:34 من طرف فايز سليمان

» هذا البيان لاثبات من يقوم بقصف اليرموك
الإثنين 5 نوفمبر - 22:32 من طرف فايز سليمان

» رفضًا لتصريحات محمود عبّاس
الأحد 4 نوفمبر - 12:13 من طرف سالي

» من قام بحادث رفح
الجمعة 2 نوفمبر - 0:06 من طرف فايز سليمان

» الجزء الثاني
الخميس 1 نوفمبر - 15:50 من طرف فايز سليمان

» هل تتذكرون
الخميس 1 نوفمبر - 15:36 من طرف فايز سليمان

» الفرقان الحق ( بدلاً عن القرأن )
الخميس 1 نوفمبر - 15:34 من طرف فايز سليمان

» خواني واخواتي
الخميس 1 نوفمبر - 15:31 من طرف فايز سليمان

» نقلا عن الأسبوع المصرية
الخميس 1 نوفمبر - 15:29 من طرف فايز سليمان

التبادل الاعلاني
احداث منتدى مجاني
تصويت

رواية دم لفطير صهيون ج4-الكاتب نجيب الكيلاني

اذهب الى الأسفل

رواية دم لفطير صهيون ج4-الكاتب نجيب الكيلاني

مُساهمة من طرف خالد النبهان في الأربعاء 23 فبراير - 21:26

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

رواية دم لفطير صهيون ج4-الكاتب نجيب الكيلاني

- (كان الرجال السبعة يضحكون ويمرحون ويغنون، بعضهم كان يرقص طرباً هذه الطقوس ضرورية كما في الديانة.. وكانوا يفعلون أشياء كثيرة ليزيدوا من ألم البادري توما.. وكان الرجل يئن ويتوجع بصوت حبيس لأنهم كمموا فاه.. وقالوا له: (كن متألماً كما كان الناصري (عيسى) معلقاً على الصليب.. وليتحصل هذا العذاب لجميع أعدائنا)، هكذا كانوا يرددون).


ثم أجاب سليمان بعد ذلك على أسئلة فرعية كثيرة، منها نوع الكيس الذي وضعت فيه قطع الجثة، ومكان نزع ملابس الضحية، ومَنْ نزعها، ولون ملابس القسيس الخ.. ثم أخذ سليمان إلى الحبس الانفرادي واستدعوا الخادم مراد الفتال وواجهوه بأن سليمان قد اعترف بكل شيء ووعدوه هو الآخر بالعفو، فأدلى باعترافات كاملة تطابقت تماماً مع اعترافات سليمان الحلاق..


وتوجه قنصل فرنسا بسؤال إلى الخادم مراد:
- (ما منفعة الدم عند اليهود؟؟).

- (يستعملونه في الفطير..).

- (كيف علمت ذلك..؟؟).

- (سمعتهم يقولون..).


وقال الأميرالاي حسن بك، أحد المحققين:
(حيث إن اعتراف المتهمين لا يوجد في اختلاف، فلنذهب مع الخواجة (بودين) – مترجم قنصلية فرنسا -، والدكتور مساري، لمعاينة المحل الذي حصل فيه تكسير العظام، ثم نعاين المربع (الغرفة) الذي حصل فيه تقطيع القسيس.. والمصرف الذي ألقيت فيه الجثة، ولنأخذ معنا المتهمين ليدلونا على هذه الأماكن كل منهم على حدة، ولنبحث عن مكان تحويل المياه الجارية في ذلك المصرف عن مجراها الأصلي حتى يمكننا أن نجد البقايا التي رميت فيه..).

فوافق الجميع على ذلك..




ودمشق لا يخفى عنها شيء، وللحيطان – كما يقولون – آذان، إذ سرعان ما انتشرت وقائع الجريمة المروعة، وضرب الناس كفاً بكف، وهم بين مصدق ومكذب، قد يشذ رجل أو اثنان أو ثلاثة ويتصرفون كالحيوانات في لحظة من لحظات الضعف الإنساني، أو الجنون، أما أن يجتمع هذا العدد من الرجال المتدينين والمثقفين، ويقوموا بهذه الفعلة الشنعاء، وعلى هذه الصورة المثيرة، فأمر لا يصدقه عقل.. ولكم أثارت هذه الصورة الذعر في نفوس الأطفال والأمهات بحيث لا تكاد ترى طفلاً إلا وهو في يد أمه أو أبيه.. واليهود لجأوا إلى ديارهم، وكثيرون منهم هربوا خارج دمشق، ولم يعد للمدينة حديث غير قصة الأب (توما) الذبيح، وخادمه المسكين إبراهيم عمار.. واستطاع بعض الشعراء الشعبيين أن يؤلفوا مواويل يرددها الناس في كل مكان.
استطاع سليمان، ومن بعده مراد الفتال أن يرشدا عن مسرح الجريمة؛ هنا البلاطة المشؤومة التي كانت العظام تدق عليها بيد الهاون، هنا المكان الذي قطع فيه اللحم إرباً إرباً، هنا ذبحوا البادري، هنا خلعوا عنه ملابسه، هنا كانوا يغنون ويرقصون ويضحكون كي تكتمل الشعائر الدينية بصورة شرعية، هنا آثار دم على الحيطان.. وأخيراً هنا قذفوا بلحم وعظام الضحية، واستطاعوا أن يستخرجوا بعض العظام واللحم، وكذلك قطعة من طربوش البادري، وأرسلت العينات إلى الباشا حيث تسلمها قنصل فرنسا، وعرضت بقايا الجثة والعظام على لجنتين إحداهما من أطباء الإفرنج، والأخرى من الأطباء العرب المسلمين والمسيحيين، وأما بقايا الطربوش فقد عُرضت على الحلاق الذي كان يحلق عادة للبادري، أقر الأطباء أن العظام والبقايا بشرية وليست حيوانية، كما أعطى الحلاق مواصفات لطربوش البادري، وقدم أدلة مقنعة على أن الجزء الموجود من الطربوش هو للبادري نفسه، لم يخف أمر اكتشاف الجريمة على اليهود المحبوسين في سرايا الحاكم، كل منهم أخذ يفكر في معجزة تنقذه.. أغلب أفكارهم تدور حول اليهود في الشام وأوروبا.. إنهم يستطيعون أن يدفعوا الأموال لإنقاذهم أو يبعثوا بكبار الشخصيات العالمية ليتوسطوا لهم.. يجب ألا ينتظروا أكثر من ذلك..

أما الحاخام موسى أبو العافية فقد جلس في زنزانته حزيناً قلقاً، لم يكن يفكر في إنقاذ نفسه بهذه الطريقة، بل كان يفكر، هل ينقذ نفسه أن يبحث عن الحقيقة؟؟ أكان أولاً على صواب أم كان مخدوعاً؟؟ إنه رجل دين بل يطلقون عليه (العاقل)... هو الذي تسلم الزجاجة التي جمعوا فيها دم الذبيح، أخذها بنفسه وأعطاها إلى (ربي) ديانة اليهود في الشام كلها الحاخام الأكبر يعقوب العنتابي، الرأس المدبر للجريمة كلها، أبو العافية أخفى الزجاجة المليئة بالدم تحت ثيابه، ثم سلمها للحاخام العنتابي وهو جالس في مكتبته الخاصة، قال له العتنابي:

- (سوف نصنع الفطير المقدس، وسنرسل جزءاً منه إلى بغداد، يهود العراق يريدون ذلك، وقد حدثت مكاتبة بهذا المعنى).

أبو العافية يذكر تفاصيل ذلك كله.. يذكر اجتماعه مع العنتابي، ولقاءاته المتكررة مع آل هراري، ورسم الخطة لجر القسيس توما إلى حتفه، الحادث يدور في ذهن الحاخام أبو العافية كشريط طويل مرتبط المشاهد، ويتساءل أبو العافية لِمَ كل ذلك؟؟ إنه سؤال وجيه، الأخطر من ذلك كله هل ورد شيء من هذا في التوراة؟؟ مستحيل أن تطلب التوراة المنزلة من عند الله ذبح المسيحيين لسبب بسيط هو أن المسيحيين لم يكونوا قد وجدوا بعد، إذن، هذه العقيدة الفاسدة مختلقة من أساسها، ابتكرها بعض الحاخامات أو الأحبار الحاقدين أو المجانين.. بالتأكيد!! وإذا كان أمر كهذا يبتكرونه ابتكاراً فكيف ببقية العقائد والتشريعات التي يمتلئ بها التلمود؟؟ وسأل الحاخام أبو العافية نفسه في زنزانته:
ألا يوجد تفسير واحد معقول لهذا التقليد الدموي الرهيب؟؟ أخذ يحك لحيته ورأسه.. نحن نختلف مع المسيحيين حقاً، وننكر نبوة المسيح وألوهيته، ونفتخر بأننا رتبنا مسألة صلبه، ونؤمن أيضاً بأن المسيح الحقيقي الذي نؤمن به، سيأتي يوماً ما ومعه الفرسان على خيول وجمال لينقذونا، وليحققوا ملك إسرائيل الكبير من النيل إلى الفرات، ويعيدوا بناء أورشليم الخراب التي نبكي عليها من قديم.. ألا يمكن أن نكون مخطئين؟؟ ألا يجوز أننا نكره المسيحيين لأسباب تافهة أو لمجرد مجيء المسيح بتشريعات ووصايا تختلف عما كتبه الأحبار والحاخامات؟ إن الهوى والتعصب إذا دخل عقائد المتدينين، انزلقوا إلى متاهات خطرة وأتوا بأشياء عجيبة لا تمت إلى الديانة بصلة.. أنا لم أسمع أن المسيحيين يسفكون دم أحد ممن يخالفونهم في الدين اعتماداً على عقيدة لديهم، ولم أسمع عن المسلمين أنهم يغدرون أو يقتلون أصحاب الديانات الأخرى أو يمزجون دمهم بدقيق الفطير، إنني لا أفكر في ذلك هرباً من مجابهة الموت أو جبناً من التصدي للقضية التي أحاكم فيها، ليت إيماني بما فعلت كان قوياً، إذن لقلت ما أعتقد أنه الصواب وليكن ما يكون..
يجب أن أعرف الحقيقة.. أنا الحاخام موسى أبو العافية الذي يبصّر الناس بالحقيقة، ويبشرهم بديانة موسى، وهو لا يعرف الحقيقة، ولم تصل إليه ديانة موسى نقية خالية من الشوائب.. يجب أن أعرف الحقيقة أولاً.. وسيّان عندي بعد ذلك أن أموت أو تبرّأ ساحتي وأعود إلى الحياة..

ليكن هذا الحادث زلزلة كبرى هزت جسدي ومشاعري وقلبي، كي أفيق وأبحث عن طريق الحق..


ثم خطا الحاخام أبو العافية في حزم صوب باب الزنزانة، والليل دامس صامت، ودق الباب بيد قوية فأتى الحارس:

- (ماذا تريد؟؟).

قال:

- (أنا الحاخام موسى أبو العافية.. أريد بعض كتب الإسلام والمسيحية..).


لم يفهم الحارس ماذا يريد الحاخام بالضبط، وهل هو يمزح أم يقول الحق، أم ترى أصابته لوثة؟ وما أكثر ما يحدث ذلك بالنسبة للمسجونين الذين لا يطيقون وحدة الحبس وظلامه القاتل، فهتف الحاخام في ضراعة:

- (قل لرئيسك ذلك..).

هز الحارس رأسه ومضى إلى رئيسه الذي اتصل بدوره ببعض الكبار المتصلين بشريف باشا الوالي، وتم للحاخام في اليوم التالي ما أراد.


جلس يقرأ ويقرأ. وكان يقارن ما يقرأه في الديانة المسيحية والإسلام بما قرأه طوال السنين الفائتة في التلمود (لماذا لم أفعل ذلك منذ زمن طويل؟؟).


ثم طلب أحد العلماء المسلمين ليستفسر منه عن بعض القضايا التي تعذر عليه فهمها في الشريعة والسيرة النبوية.. فأحضروه إليه، قال الحاخام أبو العافية للشيخ:

- (رفاقي يريدون أن يخرجوا من هذا السجن الصغير، أما أنا فأريد الخروج من السجن الكبير..).

هز الشيخ رأسه قائلاً:
- (ماذا تقصد بالسجن الكبير؟؟).

(خرافات التلمود التي دبّجها الحاقدون، وعشت في متاهاتها سنين طويلة، دون أن أسمح لنفسي بمعارضتها، أو مجرد مناقشتها.. أيها الشيخ.. كيف أخرج من هذا السجن الكبير؟).

قال الشيخ ووجهه يشرق نوراً:
- (ليس بينك وبين الحرية سوى كلمة واحدة..).

قال الحاخام:
- (ما هي؟؟).

رد الشيخ:
- (لا إله إلا الله، محمد رسول الله..).


دار الحاخام بنظراته فيما حوله، نظر إلى السماء الزرقاء.. كان هناك طائر أبيض يشق أجواء الفضاء، ثم صوت مؤذن ينادي بصوت مؤثر: (لا إله إلا الله، الله أكبر).. يالها من صدفة عجيبة! ولأول مرة يشعر الحاخام أن أفراحاً قدسية في قلبه وروحه أنشودة شجية وتمتم:

-(أيها الشيخ، حدثني عن الله..).

قال الشيخ:
- (ليس كمثله شيء.. عادل برّ رحيم.. بارئ الأرض والسماء، سميع عليم..).

وتساءل الحاخام:
- (يقول التلمود إن الله يبكي من أجل أبناء إسرائيل المعذبين..).

ابتسم الشيخ قائلاً:
- (ما شاء الله أيها الحاخام.. إنه سبحانه وتعالى قوي عزيز.. وكلنا لآدم وآدم من تراب..).

وتمتم الحاخام:
- (أيها الشيخ حدثني عن الله..).

رد الشيخ:
- (يقول: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)..
ويقول: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً..)).

ترقرقت الدموع في عيني الحاخام وقال:
- (زدني.. زدني..).

رتل الشيخ بصوت رقيق:
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً).

-(وعن اليهود ماذا قال؟؟..).

-(قال الكثير.. (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن
يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ)).

بكى الحاخام بدموع غزيرة وهو يصيح:
- (ويحي.. ويحي.. كيف لم أفكر وأنا أخوض بحار الضلال؟؟).

وقال الشيخ:
- (تلك مشيئة الله.. فلتنظر من جديد، والمؤمن يرى بنور الله.. الكلام كثير.. وتستطيع أن ترِدَ المنهل العذب بنفسك.. فترتوي من الحقيقة العذبة.. ولتعلم أيها الحاخام أن الله يقول: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ..)).

وقف الحاخام وضم الشيخ إلى صدره وقال في توسل:
- (أين الطريق؟؟).

قال الشيخ:
- (انزع نفسك بقوة من ماضيك العفن، وتخلص من أوزار الأيام التعسة.. ولتلق الله بقلب جديد.. وفكر جديد..).

صاح الحاخام:
- (.. الحرية...).

قال الشيخ:
- (قلت لك ليس بينك وبينها سوى عبارة قصيرة المبنى.. كبيرة المعنى..).

تطلع الحاخام صوب السماء ونادى بصوت يخالطه البكاء:
- (أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله..).

-(بشراك أيها السعيد.. نلت مناك..).

انهالت الاعترافات، حاول الحاخام سلانيكلي أن ينكر، لكن كيف ينكر التهمة وقد اعترف الحلاق والخادم وآل هراري جميعهم ويوسف لينيادو، كما وجدت بقايا الجثة، ومكان الجريمة وأكدت كل الشواهد والقرائن على ثبوت التهمة، كما حضر التحقيق الوالي بنفسه، وقناصل الدول وخاصة فرنسا والنمسا وإنجلترا، ثم أعلن الحاخام موسى أبو العافية إسلامه وتسمى باسم (محمد أفندي أبو العافية) وكان إسلامه ضربة قوية للتجمع اليهودي وللمخطط الصهيوني، الذي يسيرون عليه، إذ أن إسلامه يعني الاعتراف بالجريمة، والنفور منها، وإظهار الديانة اليهودية بمظهر يسيء إلى الإنسان وكرامته، وإلى تلك العقيدة.

وأخذ الناس يناقشون سر فساد اليهود، أهو لطبيعة موروثة فيهم؟؟ أهو بسبب هذه التعاليم التي اخترعها طائفة من الأحبار الحاقدين وتربت عليها الأجيال لقرون عديدة؟؟ أم هو الطمع اليهودي الذي يريد أن يستغل الناس، ويستولي على مقدراتهم، وينظر إلى غيرهم من الأمم (أبناء نوح) – كما يقولون – على أنهم دونهم من حيث الفكر والروح ووظيفة الحياة؟؟ أم لهذه الأسباب مجتمعة؟ هذا الجدل الحامي الذي ساد أنحاء دمشق والشام، انتقل إلى شوارع القاهرة وبعض المجتمعات الأوروبية، الجميع آمنوا بأن هؤلاء المخدوعين عنصر فساد، وأداة بغض، ورمز انحراف وضلال، وأن وجودهم خطر على البلاد التي يعيشون فيها، وجرت اتصالات كثيرة وعلى أعلى المستويات لإثناء الحاخام أبو العافية عن اعتناقه الإسلام، وبذلت له الوعود الخلابة أحياناً، والتهديدات أحياناً أخرى لكن الرجل أبى أن ينحاز إلى الضلال، وقال في ثقة:

- (لم يبق لي من العمر إلا قلة، وتجربتي الطويلة أثبتت فساد ما كنت مقيماً عليه من عقائد، إن الفكر هو سيد الموقف، وأنا أرى وأسمع وأقرأ وأناقش، دون التزامات مسبقة أو انتماءات قديمة، وقد وجدت أن الإسلام هو الدين الحقيقي، ولا يهمني - وقد وصلت إلى الحقيقة - أن يحكم عليّ القضاء بالموت أو يطلق سراحي، ولا أبالي أسخط اليهود أم رضوا، خسرت الملة اليهودية أم كسبت، إن ما أفكر فيه هو الحقيقة، وقد نزعت العصابة السوداء من فوق عيني، وانطلقت إلى عالم الحقيقة، حيث الحرية والنقاء والإخاء.. حيث الإيمان الذي لا لبس فيه ولا غموض ولا انحراف، قال شيخي المؤمن الجليل: (إن الإسلام يجُبّ ما قبله)، وهأنذا أولد من جديد برغم شيبي وممارستي للطقوس الرهيبة في الليالي الحالكة السواد.. نظرات البراءة في عيني القسيس توما تؤرقني.. دمه النازف يصرخ بي.. كنت أراكم يا معشر اليهود كالذئاب الجائعة وقد انقضّت على الفريسة، وإذا كان للذئب عذر في أن الفريسة هي طعامه، ومن حقه أن يلتهمها، فماذا كان عذركم، الفطيرة المقدسة؟ يا للمهزلة!! وما يحتويه الفطير من أسرار غريبة وتأثير سحري؟ يا للخرافة!! لن يعود الشباب يا داود.. ولن تنتصر أيها الحاخام العنتابي وتسود العالم، ولن تكسب الملايين يا هارون ولن تدخل الجنة يا يوسف لينيادو.. أيها الحمقى المخدوعون..).


وجلس الحاخام أبو العافية، أعني محمد أفندي أبو العافية، يسطر للوالي شريف باشا هذه الرسالة التي ما زالت مخطوطتها باقية. التاريخ يوم الثلاثاء في 7 محرم سنة 1256 هجرية، صورة تقرير محمد أفندي أبو العافية المحرر بخطه مرفوع للأعتاب الشريفة:

(حيث صدر الأمر الكريم، نحرر الذي نعلمه في قضية قتل البادري توما، وبما أني قد صرت من المؤمنين بالله تعالى ورسوله سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، يلزمنا أن نقول الحق.. إن الحاخام العنتابي (ربي) ديانة اليهود في الشام، تكلم معنا قبل الجريمة بعشرة أو خمسة عشرة يوماً.. وقال إنه يلزم له دم، كما أوصت الديانة اليهودية، وقد اتفق مع داود هراري وإخوته على تنفيذ ذلك في منزلهم.. الخ..).

واستطرد محمد أفندي أبو العافية في خطابه الطويل بلغة عامية ركيكة يصف تفاصيل كل ما حدث إلى أن قال في آخر خطابه: (والدم المطلوب عند اليهود لأجل الفطير الذي يصنعونه يوم وقفة عيدهم.. وقد فعل اليهود ذلك أكثر من مرة وقبض عليهم وسيقوا للحكام.. وهذا القضايا مذكورة في كتاب يتداول بين اليهود اسمه (سفر دهدوروت) حيث يزعم هذا السفر إنها تهمة باطلة.. ولا شك أن القضية المطروحة الآن تظهر الحقيقة جلية).

الآن عبدكم مستجير بالله تعالى ورسوله سيدنا محمد، وقد هدانا الله إلى دين الحق آملين العفو من مراحم دولتكم والأمر لمن له الأمر.. أفندم).

توقيع
محمد مسلماني
(الحاخام موسى أبو العافية سابقاً)





وعُقد مجلس كبير حضره شريف باشا وقناصل الدول والمحققون، وحدثت مواجهة بين محمد أبو العافية وربي ديانة اليهود بالشام الحاخام العنتابي، المحرض الأول على الجريمة، وكانت هذه الجلسة من نوع فريد، فقد أحضر أبو العافية كتباً يهودية، وأسفاراً وشروحاً قديمة وأخذ يستخلص منها العقيدة اليهودية المحرفة، ويعرضها أمام الحاضرين، ثم يناقشه فيه العنتابي، ويوافق عليها، وقد يزيد في شرحها. كما تقدم الكثيرون من الحاضرين ببعض استفسارات وأسئلة كثيرة أجاب عليها العنتابي وأبو العافية، وسجلت كلها في محضر الجلسة، ووقع الحاخامان بالعلم والموافقة، مذكوراً فيه المراجع والصفحة ورقم المقطع بصورة أذهلت الحاضرين من رجال الدول الأجنبية.. ومما قاله العنتابي:

- (إن كتب اليهود عادة تذكر في مقدمتها أن الكلام يختص بالدول القديمة منذ آلاف السنين، وفي ذلك خداع للناس وتعمية الأمر عليهم، والمقصود منها عدم إثارة المشاكل، والتمكن من طبع هذه الكتب في أوروبا، حتى لا تلفت نظر المسيحيين هناك، وفي معرض الحديث عن بعض الأماكن البيضاء في كتب اليهود والتي لا تكتب فيها كلمة أو عبارة، شرح الحاخامان أن المقصود من وراء ذلك، حذف اسم المسيح والمسيحيين، وهذا عرف متفق عليه بين علماء اليهود، فهم يستطيعون قراءة هذه الفراغات لكن غيرهم من أصحاب الديانات الأخرى لا يعرفون..).



وكانت هذه الاعترافات عن العقائد المنحرفة الغريبة في الديانة اليهودية، أخطر بكثير من الاعترافات الخاصة بمقتل الأب توما وخادمه، وهذا ما أزعج الجالية اليهودية في الشام، بل في أوروبا أيضاً، إذ تحركت جمعية الاتحاد الإسرائيلي في أوروبا بسرعة مذهلة، لوقف التمادي في هذا الكارثة، ولم يكن أول طلباتهم إلا التوقف عن البحث في ديانة اليهود ومعتقداتهم، وحذف ذلك كله من محضر الجلسات، وكذلك فعل اليهود المقيمون في الشام وبغداد وغيرهما من الدول العربية وممتلكات الدولة التركية على السواء.



هكذا اكتملت عناصر الجريمة فكراً وتنفيذاً، وتعرى اليهود من فكرهم ودهائهم، ولم يعد هناك على الإطلاق محل للردّ العلني أو الإفلات بطريقة قانونية من المأزق الخطر الذي سببته قضية مقتل البادري توما وخادمه إبراهيم عمار..



وفرك (سانتي الصيدلي) صديق الأب توما يديه في غير قليل من الرضا وقال:
(دم البادري لم يذهب هباءً، وقد حانت ساعة القصاص.. وهذا يشفي نفوس المحزونين).


ارتدت ملابسها السوداء، ووضعت خماراً شفافاً على وجهها الفاتن، وأخذت معها بعض الخدم، وانطلقت إلى سراي الحاكم تريد أن ترى زوجها في زيارة خاطفة، ولم تمتنع السلطات المختصة عن إعطائها ترخيصاً بذلك، وحينما جاء إليها زوجها، كان كالهيكل العظمي، تكسوه جلود شاحبة، وكانت عيناه غائرتين تفيضان تعاسة وألماً، هتفت في حزن:
- (داود).

- (كاميليا.. لشد ما تشوقت إليك!!).

- (أراك مريضاً..).

- (لقد تضعضعت تماماً يا حبيبتي.. لم أعد أحتمل..).

نزلت دموعها في صمت، نسيت كل شيء في ماضيها المضطرب، كان داود تمثالاً مجسماً من البؤس والشقاء وتمتم:
- (إني لا أرى معنى لحياتي المحطمة، ليتني أموت..).

- (لا تقل هذا الكلام..).

- (أنا رجل تقدمت بي العمر، ومن الحمق أن أكذب وأدعي الشجاعة..).

- (لكل شيء نهاية يا زوجي).

- (لشد ما أخاف هذه النهاية يا كاميليا).

وهز رأسه في أسف ولمس يدها في امتنان، ثم قال:
- (ما معنى أن يقضي الإنسان سنواته الأخيرة هكذا؟؟ إن رجلاً مثلي لم يخلق لعناء كهذا، إنني أبحث عن العزاء فلا أجده.. كل شيء حولي يجلله السواد.. المستقبل كالح الوجه، ذهبت نضرة الحياة وحلاوتها.. آه.. كلما فكرت فيما حدث أعجب من نفسي أشد العجب، لم يكن لكل ما جرى مبرر حقيقي.. ليست المسألة دماً وفطيراً مقدساً.. هنا في قلب الإنسان تكون التقوى أو يكون العناء).

أمسكت بيده في شدة وضغطت عليها في ثقة:
- (كن متماسكاً، لا يصح أن يتزعزع إيمانك..).

ابتسم في مرارة:
- (مازلت وسأظل اليهودي الصالح، لن أتخلى عن ديانتي، أنا قوي الإيمان لكني واهن الجسم.. حزين الفؤاد..).

ثم التفت إليها:
- (هل أحضرت شيئاً من شراب..).

- (وطعام.. أيضاً).

- (لا أريد طعاماً، صبي كأساً من نبيذ، وهات التبغ..).

تنهد في حسرة وهو يتناول منها الأشياء، ثم قال:
- (كيف أولادنا؟ إنهم لا يفارقون خيالي لحظة..).

- (أرسلتهم بعد الحادث إلى أقاربهم في بيروت.. ولم يعودوا حتى الآن.. إنهم بخير..).

سعل، ثم نظر إليها في تقدير:
- (ليس لدي شيء أخاف عليه سواكم.. وليس لي في الصبر باع..).

قالت في تلعثم:
- (أليس هناك من وسيلة للخلاص؟؟..).

- (الأمل في قلبي لا يموت..).

- (لِمَ لا تفعل شيئاً حاسماً لتنجي نفسك..؟؟).

كان ذكياً لا يفوته التلميح، وابتسم في مضض وقال:
- (أفهم ما تريدين قوله، تريدين أن أفعل ما فعله الحاخام أبو العافية).

قالت كاميليا في حرج:
- (نحن لا نفكر إلا في نجاتك).

- (مستحيل أن أفعلها).

ومال عليها هامساً:
- (أوروبا تحركت.. ولن يتركونا نضيع سدى..).

- (لم أعد أثق في أحد يا داود، ما المانع في أن تعتنق الإسلام ظاهرياً، وتفعل فعل اليهود؟؟ ألا تذكر يهود (الدونما) في تركيا؟ ألا تذكر آباء لنا أقدمين في أيام مجد الإسلام؟؟ كلهم فعلوا ذلك، وبقوا يهوداً مخلصين.. لم أعد أفكر في أحد سواك..).

تمتم في حسرة:
- (إني أتعذب عذاباً مهولاً.. لا أنام الليل.. تلهبني الأفكار القاسية، لكني لن أحيد شعرة واحدة عن ديانتي.. هناك شيء اسمه الكبرياء.. وهناك شيء اسمه الأمل في أن يعود المجد القديم.. لا تنظري إلى حالنا السيء هنا.. هناك في الخارج يهود حقيقيون يسيّرون دفة العالم، ويمسكون بأزمة المال، ويحركون السياسة.. إنها لصفقة خاسرة إذا أنا غامرت بترك يهوديتي..).

وكاميليا من عادتها أن تقف عاجزة أمام منطق زوجها داود وصلابته، لا تستطيع في يوم من الأيام أن تفند دعاويه، أو تخـَـطـّـيء رأيه، التفكير الجاد يرهقها، تكره الصراع والمقاومة في مجال الرأي، وتكتفي بأي شيء، وتؤمن سريعاً بقول محدثها متى رأت فيه الإصرار، ووجدت لديه المنطق والحجة، أية حجة..
همست في حيرة:
- (لماذا نعيش؟؟).

- (أجيبي أنت يا كاميليا).

- (لننعم بالحياة..).

ضحك ضحكة مُرّة وتمتم:
- (أنا لم أنعم بالحياة قط.. الذهب في يدي وأريد المزيد.. الطعام كثير.. وأحلم بشيء آخر، لديّ البنات مع البنين لكني أشعر بالحاجة والفقر.. أنفق أحياناً عن بذخ.. ولا أستسيغ لذة في ذلك.. ما معنى ذلك يا كاميليا؟ نعيم الحياة ليس هو مصدر السعادة، وظني أن ممارسة الحياة هي السعادة.. أن أحيا وأفكر وأمرض وأشفى وأشبع وأجوع وأتعب وأستريح.. تلك هي السعادة.. هذا ظني..).

لم تفهم كاميليا شيئاً، التصقت به، ضمته إليها في حنان بالغ، شعرت بنتوءات عظامه تغوص في لحمها الطري، تألمت في عمق، أحزنتها حالته التعسة، وتدهوره البشع، أي عذاب بعد ذلك؟

تمتم في انفعال:
- (إذا أنا مت فلا تحزني كثيراً.. أعرف أن النصح في مثل هذه الأمور لا يفيد، لكني أقولها لك صادقاً.. عودي إلى الحياة وانتصري على سخافاتها.. كوني أنت الأم والأب للأسرة).

خالد النبهان
Admin

عدد المساهمات : 115
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 29/12/2009

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى