القادمون من المريخ
بقلوب ملؤها المحبة وأفئدة تنبض بالمودة
وكلمات تبحث عن روح الاخوة
نقول لك أهلا وسهلا زائرنا الكريم
اهلا بك بقلوبنا قبل حروفنا بكل سعادة وبكل عزة

ندعوك للتسجيل اذا احببت الانضمام لاسرتنا والمشاركة معنا
ولا تبخل علينا بمشاركاتك
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
» رام الله - وطن للأنباء - يوسف الشايب
الإثنين 5 نوفمبر - 22:34 من طرف فايز سليمان

» هذا البيان لاثبات من يقوم بقصف اليرموك
الإثنين 5 نوفمبر - 22:32 من طرف فايز سليمان

» رفضًا لتصريحات محمود عبّاس
الأحد 4 نوفمبر - 12:13 من طرف سالي

» من قام بحادث رفح
الجمعة 2 نوفمبر - 0:06 من طرف فايز سليمان

» الجزء الثاني
الخميس 1 نوفمبر - 15:50 من طرف فايز سليمان

» هل تتذكرون
الخميس 1 نوفمبر - 15:36 من طرف فايز سليمان

» الفرقان الحق ( بدلاً عن القرأن )
الخميس 1 نوفمبر - 15:34 من طرف فايز سليمان

» خواني واخواتي
الخميس 1 نوفمبر - 15:31 من طرف فايز سليمان

» نقلا عن الأسبوع المصرية
الخميس 1 نوفمبر - 15:29 من طرف فايز سليمان

التبادل الاعلاني
احداث منتدى مجاني
تصويت

رواية دم لفطير صهيون ج2 -الكاتب نجيب الكيلاني

اذهب الى الأسفل

رواية دم لفطير صهيون ج2 -الكاتب نجيب الكيلاني

مُساهمة من طرف خالد النبهان في الأربعاء 23 فبراير - 21:22

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

رواية دم لفطير صهيون ج2 -الكاتب نجيب الكيلاني
================
طأطأ البادري توما رأسه، وأظلمت الدنيا في عينيه، لم يكن يدري ماذا يفعل، ووقفته أمام الموت رهيبة، وأشد منها إزعاجاً أن ترتكب الخطيئة الكبرى باسم الدين، وتذكر اللحظات المذهلة التي ساقوا فيها المسيح إلى الميدان الكبير، يا لها من لحظات!! وشعر البادري بقليل من الراحة ثم تطلع إلى السماء.. ناجاها بقلبه ودموعه وسمع داود يقول:
- (إننا نحتفل بذكرى صلب الناصري (المسيح) دائماً، لم يكن الناصري هو المسيح الحقيقي.. وتأكد أيها الأب أن المسيح الحقيقي سوف يأتي يوماً من أجلنا، وعند ذبحك سنقول: (هكذا فعلوا بنبي النصارى الذي ليس بنبي حقيقي.. سيأتي في المستقبل أناس عظماء مع المسيح المنتظر راكبين الخيول والجمال فينقذوننا من الأسر..).
صرخ الأب توما بأعلى صوته:
- (أيها الكفرة المخرفون..).
قال الحاخام أبو العافية:
- (اربطوا فمه حتى لا يصيح..).
وعندما ربطوا فمه، تمتم الحاخام سلانيكلي:
- (يقول التلمود: من العدل أن يَقــْتــُلَ الإسرائيلي بيده كل كافر، لأن من يسفك دم الكافر يقرب قرباناً إلى الله..).
كان النسوة والأطفال في بيت هراري محتجزين في الجناح الشمالي للبيت، والعاقلات منهن كن يعرفن ماذا يجري هناك، وجلسن صامتات، وحينما انبعث أنين الضحية المتألمة، وقفت إحداهن والفرح المجنون يرتسم على وجهها المكتنز المحتقن وقالت:
- (أتسمعون الأنين؟؟ اضحكوا واسعدوا.. دقوا الطبول وارقصوا ورددوا أجمل الأغاني الدينية.. هذا يوم المنى.. أسعد أيام العمر..).
وكم كانت دهشتهم حينما رأوا (كاميليا) زوجة داود تلف حول وسطها شالاً حريرياً ثم ترقص في الحجرة الواسعة، وسرعان ما تماوجت حركاتها مع تصفيق الأيدي، ودقات الدفوف، وانتشى الأطفال الذين لا يعرفون ما يجري بروعة ما يشاهدون، فأخذوا يشاركون فيه في بلاهة، ويضحكون ويمرحون ويقلدون النسوة. لم يكن غريباً أن يحدث الغناء والرقص في بيت يهودي، إذ المعروف في دمشق كلها أن اليهود يقبلون على المرح في كثير من الأوقات ويعشقون الخمر والرقص والغناء، بل ويقومون ببعض التمثيليات القصيرة الكوميدية تقليداً لأهل أوروبا، إلى جانب أن البيوت المجاورة كلها يملكها اليهود، فلن يثير الموضوع شيئاً من الشك أو الريبة بل إنه سيغطي على صياح الضحية إذا فكر في طلب النجدة أو الاستغاثة.. بعد أن انتهت كاميليا من الرقص هرولت إلى حجرتها الخاصة لتغير ملابسها، وبصرت بمراد الفتال وهو يهرول متجهاً صوب باب البيت فدعته إليها فعاد مرتبكاً:
- (اتبعني إلى حجرتي..).
- (سيدتي إن داود بالبيت..).
- (أيها الأحمق.. اتبعني..).
- (لقد أرسلني في أمر هام..).
- (دقيقة واحدة وترجع بعدها..).
تلفت حواليه في خوف، لم يجد أحداً، النسوة معزولات في مكانهن لا يصرح لهن بالخروج باستثناء كاميليا، والرجال متجمعون حول الأب توما الذي أحكم وثاقه، ولهذا تبعها مسرعاً ودلف إلى حجرة نومها، وأغلقت الباب، ثم تعرت من ملابسها وتمطت أمام المرآة وقالت:
- (انظر يا مراد.. هذا لك كله..).
- (بالله عليكِ اتركيني.. الأمر خطير.. وجسدي كله يرتجف).
- (أعرف ذلك.. هل ذبحوه؟؟).
- (ليس بعد..).
اقتربت منه وطوقته بذراعيها وقالت:
- (لكم أحبك.. ضمني إليك بشدة.. إنني لا أنسى اللحظات التي أقضيها معك.. أعطني بضع قبلات عابرة.. لقد شربت كثيراً.. رأسي يدور.. تمنيت أن يحترق العالم كله وأبقى أنا وأنت..).
قال وهو يتملص في رقة:
- (سيدتي.. ليس لديّ وقت..).
ثم نظرت إليه وقد تغيرت سحنتها:
- (ما هي المكافأة التي وعدك بها داود بعد إتمام ذبح البادري؟).
- (لم يعدني بشيء بعد..).
سددت إليه نظرات وحش كاسر وقالت:
- (زعم أنه سوف يزوجك أستير.. لقد أخبرني بذلك..).
طأطأ رأسه وتفصد جبينه عرقاً، واشتد شحوب وجهه:
- (هذا أمر سابق لأوانه..).
ضحكت في خلاعة وقالت:
- (تستطيع أن تنصرف الآن، لكن ثق أن كاميليا لن تهزم.. إنني أقوى منكم مجتمعين.. وأنا أعني جيداً ما أقول.. انصرف أيها الكلب.. ولا تتردد كلما دعوتك إليّ..).
أعطاها ظهره ثم اتجه صوب الباب لكنها لحقت به ووضعت في يده مبلغاً من المال كبيراً، فابتسم، أما هي فقد تردد صدى ضحكاتها المتكسرة في أروقة الحجرة الضخمة ذات الرياش الثمينة..
في ذات الإنسان، في داخله العميق المجهول، حيـّـز لا يستطيع الخداع أن يتسرب إليه، إنها منطقة حرام مقدسة الجنبات، كأنما أحاطها الله بأسوار وحواجز لا يمكن أن تخترقها قوة الشياطين، وإلا لماذا يشعر سليمان الحلاق بالخوف الآن؟؟ لماذا يرتجف قلب الخادم مراد الفتال، حتى الحاخامات والرجال من أسرة هراري يؤدون دورهم البغيض وشيء ما داخل كل فرد يقول: (لا..) ويرفض الانصياع، أليس غريباً أن يحدث ذلك وهم مؤمنون بأن ما يفعلونه إنما يؤدونه كفريضة دينية نادى بها التلمود وأكدها الأحبار؟؟ إذن لو كان الأمر أمر دين لما حدث هذا التردد، ولا داهمهم ذلك الخوف، ولا أعجزهم الارتباك.. كل واحد منهم يحاول جاهداً أن يقهر تلك النوازغ كي يقضي على التردد والخوف والارتباك، لقد جلس سليمان الحلاق في دكانه منقبض الصدر، وحينما رأى مراد قادماً نحوه هب واقفاً وهتف:
- (هل ألغيتم العملية..؟؟).
قال مراد وهو يغالب ضعفه ويحاول الظهور بمظهر الشجاع:
- (سيدي يطلبك على الفور..).
- (من؟؟)
سدد إليه نظرات ساخرة وقال:
- (داود..).
وابتلع مراد ريقه واستطرد:
- (الرجل على الصليب، قد كمموا فاه، وربطوه بالحبال ربطاً محكماً.. ولن يتراجعوا..).
ابتسم سليمان ابتسامة شاحبة وقال:
- (أنا قادم معك..).
- (لا.. بل ستأتي وحدك..).
- (كنت أريد أن أخبرك..).
- (بماذا؟؟).
- (لقد أتى الخادم إبراهيم عمار هو الآخر يبحث عن الأب توما..).
قال مراد في لهفة:
- (وأين هو..؟؟).
أشار سليمان بيده في اتجاه أحد المنازل اليهودية المعروفة وقال:
- (هنا.. قالوا له إن الأب توما بالداخل.. فأسرع الخادم.. ولسوف يلقى نفس المصير الذي سيلقاه القسيس..).
وفرك مراد يديه وقال:
- (كل شيء يمضي على ما يرام.. لكني خائف..).
ضحك سليمان في حزن وقال:
- (لسوف تتزوج من تحب، أستير فتاة جميلة تستحق أن يضحى في سبيلها..).
شرد مراد إلى بعيد، تذكر كاميليا تلك الشيطانة الجميلة المثيرة، هذه المرأة الغريبة التي شرب من كأسها حتى أتخم، إنه يحبها ويكرهها، يخاف منها ويأنس إلى جوارها، أي تناقض يرزح مراد تحته؟ أنا مجرد خادم قد تركلني غداً.. بل تستطيع أن تدس لي السم وتقضي عليّ في أي وقت تشاء، لا أدري ماذا أفعل؟ ومع ذلك فأنا أسير في الطريق.. لا أدري أين تقودني قدماي، لكنها فاتنة غجرية الجمال لعوب.. قاتلة.. أي امرأة تلك!! أستير بالنسبة لها لا شيء.. أستير كالشاة الهادئة..
قال سليمان:
- (فيما تفكر يا مراد؟ أتخاف مثلي..؟؟).
رد مراد قائلاً:
- (لا.. تذكرت ما قاله الحاخام بالأمس قال: لا محبة ولا عدل مع المسيحيين.. من احتقر أقوال الحاخامات استحق الموت.. اعلم أن أقوال الحاخامات أفضل من أقوال الأنبياء.. ومن يجادل حاخامه أو معلمه (في الدين) فقد أخطأ، وكأنه جادل العزّة الإلهية.. اقتل الصالح من غير الإسرائيليين..).
قال مراد وهو يبتسم في لا مبالاة:
- (أعرف ذلك كله.. لطالما ردده الحاخامات على مسامع سيدي، كنت أستمع إليهم وأنا أصب القهوة أو أعد النرجيلة.. لكني لا أفكر في شيء من هذا..).
- (فيم تفكر إذن؟).
- (في أستير..).
- (لسوف تتزوجها..).
- (هي مسكينة وتعلم كل شيء.. هذه الشاة الصغيرة تعرف تصرفاتي وانحرافاتي..).
هزّ سليمان كتفيه دون أن يفهم شيئاً، بينما هتف مراد في عجلة:
- (لقد نسينا أنفسنا.. أسرع إلى دار داود..).
- (لسوف أحضر الموسى..).
- (لا داعي لذلك).
ذهب الخواجا (سانتي)، صيدلي المستشفى، إلى دير الأب توما كي يعيد إليه كتاباً كان قد استعاره منه، لكنه في ذلك المساء (الأربعاء) وجد الدير مغلقاً.. وطرق الباب فلم يجبه أحد، أخذ يطوف حول الدير فلم يسمع صوتاً لصديقه ولا حسّاً لخادمه إبراهيم.. شيء غريب.. ومع ذلك فقد قرر أن يعود من حيث أتى، وأثناء رجوعه مال على الدير الكبير (تيرسانت) وأخبر الرهبان هناك بأن البادري توما وخادمه إبراهيم لم يعودا حتى هذه الساعة، فلم يكترثوا للأمر ورجحوا أن البادري ربما يكون قد ذهب لمعاونة بعض المرضى، وكثيراً ما يحدث ذلك لأنه لا يرفض طلباً للمساعدة من أحد.
ودمشق تنام، والعسس يمضون في الطرقات يحكمون ستراتهم لأن نذر البرد تلامس آذانهم المكشوفة، وعندما تنام دمشق فهو نوع من النوم غريب، لأن الآلاف يتقلبون في الفراش يفكرون ويدبرون، ويتذكرون الماضي والحاضر، ويحاولون أن يستشفوا حجب المستقبل.. الأحداث كثيرة.. ولو استطاع أحد الدارسين أن يبحث أسباب الأرق في آلاف البيوت لوجد عجباً.. شاب يحلم بفتاة حلوة أحبها قلبه.. رجل يريد أن يأخذ بثأره، وخيالات الدم تلعب برأسه.. تاجر تمتلئ رأسه بالأرقام ويطرح ويضرب ويقسم، سياسي يخطط لمزيد من السيطرة والنفوذ، ويبحث عن وسيلة لتحطيم أعدائه، فتاة كالزهرة، تحتضن وسادة حريرية وتترنم بأغنية شعبية.. امرأة تخون، رجل يسرق، شيخ يقوم الليل ويضرع إلى الله، سجين ترهقه القيود والأغلال، ويستنجد بالسماء كي تفك إساره.. سكران يضحك ملء شدقيه وكأنه حاز الدنيا بأسرها، مريض يتلوى من شدة الألم، شاب يتراقص من شدة الفرح. دنيا غريبة ممتلئة بالكثير من المتناقضات والأعاجيب.. لكن الأمور تمضي والموكب يسير.. وهذا الخليط الكبير يعزف سيمفونية ذات نغمات مختلفة.. لكنها تعطي لحناً واحداً مميزاً اسمه (الحياة)، ومن يستطيع أن يدلف إلى دار داود هراري يرى عجباً.. امرأة تبصق على فراشها الحريري.. وأطفال يغطون في نوم عميق، وداود يتقدم من البادري المربوط، ويرفع الرباط عن فمه ليعود إلى الحديث المكرر.. ويتلذذ بعذاب صديق العمر..
- (ماذا تريدون..؟؟).
- (لا شيء.. يا توما.. مجرد استجواب..).
- (إني أشم رائحة الغدر..).
ضحك.. وسخرية.. وتبسم داود:
- (نحن أصدقاء يا توما..).
- (هذا أسلوب غريب بين الأصدقاء..).
- (هناك أوقات يا توما.. لا يعرف فيها الصديق صديقه ولا الأخ أخاه..).
- (لا أفهم.. الناس جميعاً أخوة..).
- (الناس بهائم وحيوانات يا توما إلا الإسرائيليين.. قلت لك ذلك ألف مرة ومرة، هكذا قال التلمود).
- (التلمود لم ينزّله الله.. الفرق كبير بين كلمات الله.. وسخافات البشر..).
التفت داود إلى هارون وقال:
- (الرجل يسيء الأدب وهو على أعتاب الموت..).
صاح البادري في صبر نافذ:
- (اقتلوني..).
- (ليس الآن..).
- (أريحوني من هذا العذاب..).
- (هذا مشهد يبعث البهجة في النفوس..).
- (وأنا لا أخاف الموت يا داود..).
- (لا تحزن.. سأدفنك هنا في بيتي.. سأقرؤك السلام كل يوم.. ستبقى جثتك هنا إلى الأبد.. سنظل أصدقاء برغم الموت وبرغم فظاظتي معك).
همّ البادري أن ينزع نفسه من الوثاق المحكم، وضحك الرجال وصاح الحاخام أبو العافية:
- (كمموا فاه من جديد.. ها قد جاء سليمان الحلاق..).
دمشق المدينة تبدو كالأرملة التعسة، تحاصرها العيون، وتلاحقها الشائعات بعد أن مات عنها زوجها، ودمشق تجلس كابية حزينة تجترّ الآلام، ويمضّها الملل، ويؤرقها الضياع والفراغ، ولذلك كان حادث اختفاء البادري توما وخادمه إبراهيم عمار فرصة تشغل الأذهان، ووسيلة لقتل الوقت والتغلب على الفراغ المميت. ففي اليوم التالي –الخميس- كان الدكتور مساري، وهو من الشخصيات الأجنبية المرموقة في دمشق، يجلس في منزله انتظاراً لعدد من الرهبان وعلية القوم، فقد أعدّ لهم وليمة فاخرة ظهر ذلك اليوم، وحضر الجميع ولم يبق إلا البادري توما.. وحان وقت الغداء لكن البادري لم يحضر، ولم يبعث باعتذار رقيق كعادته.. بل لم يعثر له على أثر، وهنا لعب الشك بالنفوس، وعم القلق جميع الحاضرين، وليس عجباً أن يحدث أي شيء في مثل تلك الأيام، هذه الفترات العصيبة من حياة الشعب تكتظ بالمفارقات الغريبة، وتحدث فيها العجائب، وتكثر الانحرافات، وصاح الصيدلي (سانتي):
- (أيها الرجال، الأمر خطير ولا يمكن السكوت عليه).
وتهامس الحاضرون، ثم علا نقاشهم حتى تحول إلى ضجيج واضح، وقال الدكتور مساري وقد انتصب شاحب الوجه:
- (شهد البعض أن آخر مرة رأوه فيها كان في حارة اليهود..).
وأدرك الجميع ما يهدف إليه السنيور، فرد أحدهم على الفور:
- (ماذا أقول؟؟ الشبهات تحوم حول اليهود..).
وقال آخر:
- (لا نتعجل في الاتهام..).
وعلّق رجل طاعن في السن:
- (اثنان من اليونانيين شاهدا خادم البادري يهرول إلى حارة اليهود عند الغروب وقد أخبرهما أنه يبحث عن سيده.. والخادم اختفى هو الآخر..).
قال الدكتور مساري:
- (لنرفع الأمر إلى القنصلية الفرنسية، فالبادري تحت حمايتها ويحمل الجنسية الفرنسية..).
حينما بلغ النبأ مسامع القنصل الفرنسي، كان قد انتشر بين أبناء المدينة كلهم، وحدث هرج ومرج، وتدفق الناس من كل صوب نحو دير البادري، وأخذوا يلقون الكلمات جزافاً، وأشارت أصابع الاتهام نحو حارة اليهود (هذه الحارة دولة داخل الدولة)، (هذه الحارة بحر عميق من الأسرار)، (هل نسيتم المذابح التي يقيمها اليهود من آن لآخر باسم الدين؟؟),
وأمر القنصل الفرنسي أحد الرجال أن يصعد سلماً خارجياً ويتخطى جدار الدير الذي يسكنه البادري، ودهش الجميع إذ وجدوا أن الباب لم يغلق بالمفتاح وإنما بالمزلاج الصغير، كما وجدوا طعام العشاء مجهزاً في المطبخ بجوار الكانون، وليس لذلك سوى معنى واحد وهو أن البادري وخادمه كانا قد اتفقا على سرعة العودة لتناول طعام العشاء المعد.. وجال القنصل ومن معه في أنحاء الدير فلم يجدوا أي مظهر من مظاهر الاضطراب أو العبث.. كل شيء في مكانه: الأثاث.. الكتب.. الطعام.. الأدوات.. المال.. الملابس، إذن لم تحدث سرقة أو مجرد محاولة للسرقة. وصاح رجل:
- (أقسم أن البادري وخادمه قد قتلا..).
ورد عليه آخر:
- (ولم يفعلها سوى اليهود).
ووقف أحد الرهبان من (دير تيرسانت) وأخذ يشرح للحاضرين كيف أن اليهود كانوا يشترون الأسرى المسيحيين من الفرس الذين غزوا القدس على أيام (هرقل) ملك الروم، وكيف أنه في أيام السلطان سليم الثالث اختطف اليهود طفلاً يونانياً وذلك لاستنزاف دمه، وثبتت ضدهم التهمة باعترافهم، وشنق ستون منهم.. وعلق كل عشرة في شارع من شوارع المدينة.. وحدث مثل ذلك في إنجلترا. وفي فرنسا ارتكبوا جريمة مماثلة، وقد حضر ملك فرنسا آنذاك (فيليب أوغسطوس) وأشرف على التحقيق، وبعد ثبوت التهمة أصدر حكمه بحرق المتهمين، وأصدر مرسوماً بطرد جميع اليهود من فرنسا.. وأيضاً حدث شيء من هذا القبيل في ألمانيا.. فالقصة أيها الأصدقاء قديمة ومكررة وهي من صميم شعائرهم التي ابتدعها حاخاماتهم وأحبارهم وأثبتوها في التلمود، ولا تنسوا أن عيد اليهود قد اقترب، وفي هذا العيد يفكرون دائماً في الفطير المقدس المعجون بدم المسيحيين..
وصرخ البعض احتجاجاً واستهوالاً للبشاعة، وسأل واحد من المسلمين:
- (أيها الأب.. ألا يفعلون ذلك بالمسلمين أيضاً؟؟).
هزّ الأب رأسه قائلاً:
- (بعض شراح التلمود يزعمون أنه يجوز سفك دم المسلمين، وحجتهم في ذلك أن كثيراً من المسيحيين دخلوا الإسلام..).
وابتلع الراهب ريقه وقال في انفعال:
- (إن شعائرهم تفضل الذكر على الأنثى في مسألة الدم، ويفضلون الطفل عمن عداه، ويعتقدون أن في الدم المسيحي خلاصاً لنفوسهم..).
وقال رجل سوري تلقى تعليمه الديني برواق (الشوام) بالأزهر الشريف:
- (عندي بذلك علم.. فاليهود يفعلون ذلك كثيراً.. لكن يجب ألا نتعجل في نشر الاتهام..).
فهاج عدد من الحاضرين وصرخ أحدهم:
- (يا مولانا، لقد أجمع الشهود على رؤية البادري وخادمه لآخر مرة في حارة اليهود..).
- (لا تصدروا حكماً إلا بعد التحري والدقة.. هكذا يكون العدل).
وصاح شاب مسلم:
- (لا عدل مع من لا يعرفون العدل..).
وتحرك الجمع الصاخب نحو المدينة، وساد الذعر جنبات حارة اليهود، وأقسموا الأيمان المغلظة بأنهم لا يعرفون شيئاً عن البادري أو خادمه، وإنما الرجل المفقود صديقهم الحميم، وهم يحبونه أعمق الحب، بل تطوع أحدهم برصد مكافأة مقدارها خمسون ألف قرش لمن يظهر البادري أو يدل عليه حياً أو ميتاً.. ولجأ اليهود إلى المسؤولين يطلبون الحماية، وينفون التهمة بشدة، ويؤكدون أن هناك بعض المغرضين الذين يريدون إثارة الفتنة بين الناس، ويهدفون إلى إشاعة الاضطراب والفوضى في أرجاء المدينة، لكن قنصل فرنسا كان له رأي آخر، فقد كتب مذكرة ضافية عن ظروف اختفاء البادري وخادمه، واتهم اليهود صراحة بأنهم هم المسؤولون عن اختفاء الرجل، ورفع هذه المذكرة
الضافية إلى (شريف باشا) والي دمشق الذي أمر على الفور بأن يذهب (التفتيشجي) باشا إلى حارة اليهود ليبحث عن المفقودين، وأعطاه الصلاحيات الكاملة لدخول أي مكان..
انسكبت الدموع من عيني اليهودي الصالح (داود):
- (لا أستطيع أن أصدق أن يكون البادري قد أصابه سوء.. إنه آية من آيات المحبة والنبل والوفاء، ولا تجرؤ يد أن تمتد إليه بأذى..).
ولم يسفر البحث والتقصي عن العثور على شيء، وأخذ الناس يضربون كفاً بكف، بينما لجأ اليهود إلى بيوتهم خوفاً وهلعاً، حتى تنجلي الغمة ويسود الأمن والهدوء، وخاصة أن بعض المتحمسين من شباب المسيحية والإسلام قد هددوا بالانتقام.
تنهد داود هراري في ارتياح حينما وصل إلى بيته وأمر خادمه مراد الفتال بأن يحكم إغلاق الباب، وأن يظل يقظاً لأية حركة، مخافة أن يدهمهم أحد المعادين على حين غرة، وطلب منه أن يقف خلف الباب لا يغادره لأي سبب من الأسباب، وأقبلت كاميليا يفوح من أردانها العطر، وتواكبها الفتنة الطاغية، وقميص النوم الوردي يكشف عن مفاتن جسدها المثير، وجلست أمام داود على السرير الموشى بالفضة المغطى بالحرير، ثم أعطته ظهرها وألقت برأسها على صدره، وأخذت تعبث بشاربه، كان في غاية من الضيق لا مثيل لها، ولما لم يستجب لمداعبتها وعبثها همست بصوت حنون:
- (هل أصب لك كأساً من الخمر..؟؟).
- (لا أريد شيئاً..).
- (إذن قبّلني..).
أراد أن يسكتها، فطبع قبلة باردة على جبينها.
- (يا لك من رجل غريب الأطوار.. أنا لست طفلة.. أنظر إليّ جيداً..).
دفعها عنه بهدوء وتمتم:
- (ليس هذا وقته..).
- (متى نأكل الفطير المقدس؟! إن ثقتي بمفعوله السحري لا حد لها..).
هب واقفاً وصرخ:
- (لا تذكري هذا الأمر..).
- (ما الذي يكربك؟؟ قريباً تخفت الضجة.. وينسى الناس كل شيء.. عندئذ يعود إليك شبابك..).
قال في ضيق:
- (أنت تتكلمين في جرأة وقحة..).
- (أنت زوجي..).
- (الزمي جانب الأدب..).
- (ألا يحق للزوجين أن يتبادلا عبارات الغزل..).
تمتم ببيت قديم شهير من الشعر العربي:
أبيت أسْري وتبيتي تدلكي
شعرك بالعنبر والمسك المزكي
همست في دلال:
- (أنا لا أحب الشعر.. فلنغرق أسانا في الكأس والعبث..).
دفعها هذه المرة في عنف وقال:
- (إليك عني.. إن جفوني لم يقربها النوم ليلة أمس.. وأنت كنت تغطين في نوم عميق..).
تمتمت في غيظ:
- (مسكين، ليتك مثلي تعيش لحظتك الراهنة وتنسى ما عداها.. بذلك نسعد بحياتنا).
لشدّ ما يكره كاميليا الآن، ليس لوجودها معنى، هي في واد وهو في واد آخر، هي تضج أنوثة وحيوية وتعيش كالسكرى، وهو يتمزق وهناً وقلقاً كمداً، إنهما غريبان يفصل بينهما صحارى واسعة من فارق العمر، والاهتمامات والآمال، لكنه جاهد غضبه وحاول أن يسترضيها فقال:

- (يا حبيبتي.. إن الأمر خطير.. إنني أعاني من الهموم ما لا يطيقه بشر.. فلتحترمي أحزاني وآلامي.. وأمامنا فسحة من الوقت بعد ذلك..).

وقبل أن تجيب عليه بكلمة سمع صوت هارون هراري ينادي:
- (داود.. داود.. الكارثة على الأبواب..).

وثب من فوق سريره، وفتح الباب ووقف شاحب الوجه، قلق النظرات، وهمس في ضعف:
- (ماذا جرى؟؟).

قال هارون:
- (لقد قبضوا على سليمان الحلاق وساقوه إلى التحقيق..).

صرخ داود في ذعر:
- (مستحيل كيف تسرب الأمر..؟؟).

- (إلى أين..؟؟).

- (يجب أن نواجه الكارثة لنقضي عليها قبل أن تطبق علينا بجناحيها السوداوين..).

- (ماذا ستفعل..؟؟).

- (سأتصل بسليمان وأمنيه الأماني وأؤكد عليه بألا يعترف بشيء مهما كان الأمر..).


تنهدت كاميليا في ارتياح بعد أن خرج زوجها، وابتسمت وسرت قشعريرة في بدنها وهي تفكر في الخادم مراد الفتال.
قال حاذق بك المشرف على التحقيق في قضية اختفاء البادري توما وخادمه:

- (إن أمامنا خيط رفيع قد يوصلنا على الجناة، ونرجو ألا ينقطع.. إنه مجرد بصيص من النور قد يلقي ضوءاً على الفاعل.. لقد لا حظنا أن إعلانات المزاد التي كان يلصقها البادري بنفسه يوم الأربعاء الماضي موجودة في كثير من الأماكن وخاصة الكنائس منذ يوم الأربعاء، لكن يوجد إعلان لم يلصق إلا بعد يومين على باب سليمان الحلاق اليهودي، الذي يقع محله بجوار الكنيس اليهودي، فلماذا تأخر وضع هذا الإعلان بالذات؟؟ لا تسخروا مني، فإن أول الغيث قطر ثم ينهمر، اقبضوا على سليمان الحلاق وأحضروه إليّ على الفور دون أن يشعر بذلك أحد..).
حينما دهموا سليمان في محله، كان يحلق للزبائن في هدوء غريب، لم يكترث لما يراه، وعندما قال له (التفتيشجي): (تعال معنا) أظهر استغراباً ودهشة، ليس الأمر إذن مجرد تدقيق عابر، لماذا اختاروه هو بالذات؟ هل فعلها أحد الخونة ووشى به؟ مستحيل.. إن انكشاف الأمر يعني الخراب والدمار بالنسبة للجميع، سوف يساق الحاخامات وأسرة هراري إلى الجحيم.. لا.. قد يكون هناك مجرد شك، والحلاق معروف بأن محله مأوى للكثيرين (ربما استدعوني ليعرفوا الشائعات التي تتناثر هنا وهناك، أو لعلهم ظنوا أن حلاقاً مسكيناً مثلي، يستطيعون الضغط عليه، والحصول منه على معلومات، وهذا أمر بسيط، أستطيع أن ألعب بهم أو أدعي البلاهة مادام المحققون لا يملكون أدنى دليل ضدي..).
ومع ذلك الاطمئنان الظاهري الذي حاول به سليمان أن يهدئ من روعه إلا أنه كان يسير في الطريق كالمنوم أو المخدّر، عيناه زائغتان وقدماه تتعثران في الطريق الطويل، وقلبه يضرب في عنف، حتى يكاد الرائي أن يشهد الضربات تحت ثيابه، وأنفاسه لاهثة، وشعور بالاختناق يطبق على صدره وحنجرته، حاول أن يتحدث بأي كلام، فاحتبست الكلمات في حلقه، وأخذ يبتسم في بلاهة تثير الشك والريبة..
وحضر الوالي شريف باشا بنفسه، وأحضروا له سليمان الذي أنكر علمه بأي شيء..

- (ما هي معلوماتك يا سليمان عن الإعلان؟).

- (الأب توما وضع إعلاناً على دكاني وانصرف).

- (بأي برشانات ألصقها البادري..؟؟).

- (ببرشان أحمر وآخر ليلكي (بنفسجي غامق)).

- (كيف عرفت هذه الألوان مع أنها تحت الورقة؟؟ ولماذا وُضع الإعلان في مكان مرتفع؟ وكيف وصل الأب توما لهذا المكان المرتفع؟؟).

قال سليمان وقد داهمه ارتباك ظاهر:
- (كنت أرى المارة يعبثون بالإعلان ويلمسونه، فخفت عليه من التلف والضياع، فأخذته من محله الأصلي وألصقته في مكانه الحالي..).

- (ألا تعلم أن باقي الإعلانات كانت ملصقة بطريقة مغايرة للطريقة التي لصق بها الإعلان على باب محلك..؟؟).

- (كيف؟؟..).

قال شريف باشا:
- (الإعلانات الموجودة على الكنائس الفرنساوية وجدت ملصقة بأربعة قربانات من القربان المستعمل عند الرهبان، والرهبان عادة لا يستعملون البرشان العادي..).

قال سليمان وقد حاصرته التهمة:
- (لا أدري..).

صرخ شريف باشا في غيظ:
- (أنت تعرف الحقيقة..).

- (الحقيقة لا يعلمها إلا الله..).

- (لقد أمرنا الله بالعدل..).

- (أعرف يا مولانا..).

- (وقد أهدر دم رجل بريء صالح دون جريمة ارتكبها..).

- (هذا حرام..).

- (ولا بد أن يظهر الحق..).

- (أتمنى ذلك..).

ودق شريف باشا بقبضته على منضدة صغيرة:
- (نحن مسؤولون عن حماية أرواح الناس ومحاصرة الجريمة..).

- (لقد قلت ما أعرف.. وليس لدي جديد أضيفه..).

سدد إليه شريف باشا نظرات ملتهبة وقال:
- (سنعرف كيف ننطقك بالحقيقة.. خذوه..).


وسيق سليمان إلى الحبس الانفرادي، لكن داود هراري استطاع أن يلتقي به أثناء ترحيله إلى السجن:
- (احذر يا سليمان.. لقد قررنا أن نعطيك مبلغاً كبيراً من المال، تعيش به سعيداً طول حياتك.. ولا تنسَ أن أوامر ديننا يجب أن تحترم.. لا اعتراف حتى لا يعاقب اسرائيلي، أنت تعرف ذلك..).



حينما جلس سليمان الحلاق وحيداً في زنزانته المظلمة حط على قلبه حزن ثقيل، الوحدة والانتظار والخوف تحالفت كلها لسحق مشاعره، وطمس معالم المستقبل أمامه، شعر بضيق بالغ، تذكر بيته وزوجه وأبناءه وأباه، تذكر اللحظات الهنيئة التي يقضيها في محله يحلق الشعر أو يفصد الدم وتساءل بينه وبين نفسه: لماذا لا تكتفي الديانة بالدم المفصود بدل القضاء على الضحية..؟؟.

الأخطر من ذلك كله أن نوازع من الشك أخذت تراود خياله، بدأ يشك في صحة كلام الحاخامات وصحة شروح التلمود، ها هي عقيدته تتزعزع.. لا.. يجب أن يتماسك ويكون مثالاً لليهودي الثابت على مبدئه، يجب أن يصمد للفتنة ويواجه العاصفة بقلب مؤمن، إذا كانت ديانته على حق فإن الله سيحميه وينصره، ومع ذلك فإن الشك يراوده، وبدا الكفاح من أجل مبادئ التلمود أمراً هزيلاً، بل حماقة كبرى، إن العبء ثقيل والتضحية باهظة التكاليف، وسليمان يريد أن يعيش، لماذا دس أنفه في مشكلة كهذه؟؟ آه.. نظرات القس الذبيح تطالعه الآن في ظلام الزنزانة.. في العيون ضراعات قاتلة، يا إلهي!! والرجل شاحب الوجه يستنجد بالمروءة ولا أحد يجيبه، يا إلهي.. كان استسلام القسيس رهيباً.. ما أقسى استسلام الضعفاء حينما يساقون إلى الموت ظلماً.. وأخذ سليمان يتلفت في الزنزانة يمنة ويسرة.. يحاول أن يهرول من الأشباح التي تملأ عليه أفقه الأسود.. (أيها الأب توما.. أنا لم أرد أن أسيء إليك.. لا تنظر إليّ هكذا.. أنا عبد أنفذ ما يأمرني به كبار الرجال.. قرأوا لي في التلمود.. حشوا رأسي بالكلمات المقدسة، وأنا إنسان جاهل.. فقير مسكين..).
انتبه سليمان إلى نفسه، إنه يهذي، أحياناً يتكلم بينه وبين نفسه، وأحياناً أخرى يرتفع صوته على الرغم منه، تحسس الجدران الباردة، ووضع خدّه على الأرض، ثم أخذ يدق الأرض ويدق رأسه في هيستيرية ويصرخ:
- (أنقذوني.. أكاد أموت.. الرحمة).


قدم السجان، نظر إليه بعينين يتقد منهما الشرر.. وللسجان سحنة متميزة لم يعرفها سليمان من قبل، ركله السجان في غلظة ثم هدر:
- (لا أريد أن أسمع صوتك.. أتفهم..؟؟).

انكمش سليمان كفأر مذعور.. رفع عينيه في ضراعة ثم هتف:
- (أليس لك أولاد؟).

- (أتريد أن تذبحهم؟؟).

- (أنا مسكين، أنا لم أرتكب جريمة..).

انحنى السجان صوبه، أمسك بكتفيه ثم جره خارج الزنزانة:
- (خير لك أن تعترف.. أنا أعرف جيداً كيف أقنعك بقول الحقيقة.. وشريف باشا وعد بالعفو عنك إذا اعترفت.. سيكتب لك (فرماناً) بذلك.. إنها صفقة رابحة.. ولا بد يوماً ما أن تعترف، ولكن الاعتراف اليوم له قيمة.. وغداً لا قيمة له.. أنت ذكي وتفهمني).

أحنى سليمان رأسه وقال:
- (لا أستطيع الصبر.. لا أستطيع..).
الخديعة الكبرى التي وقع فيها سليمان هو أنه كان يظن أن النجاح كان حليفه، ولن يستطيع أحد أن يميط اللثام عن الجريمة، وكيف لا يطمئن باله وهو يرى أنها دبرت بليل، وأشرف عليها جمهرة من كبار رجال الدين والمال، وأن آثارها قد عفي عليها تماماً؟؟ فهو لم يشارك في الجريمة شجاعة منه أو استهتاراً بما يتبعها من نتائج، وإنما شارك ثقة منه في عدم القدرة على اكتشافها، أما وأن أصابع الاتهام تشير إليه والشبهات تحاصره من كل جانب، والدائرة تضيق من حوله، فلابد أن يفكر تفكيراً عاقلاً رزيناً، فالزنزانة شديدة السواد مخيفة، والوحدة قاتلة، وهو يخاف عيون السجان ونظراته القاسية، وثقته في كلمات الحاخامات أصبحت ضعيفة، واحتماؤه برجال المال – ذوي السلطة والنفوذ – لم تعد ذات جدوى، فلماذا لا يفكر بمنطق التاجر؟ لماذا لا يفكر في مصلحته الذاتية دون اعتبار للواجبات الدينية أو علاقات الصداقة؟؟
قال سليمان حينما أحضروه أمام المحقق:
- (لقد رأيت الأب توما عند العصر يسير مع داود هراري وأخويه هارون وإسحاق، ويرافقهم يوسف لينيادو والحاخام موسى أبو العافية والحاخام سلانيكلي.. وكانوا جميعاً داخلين في شارع الثلاج المتفرع من حارة اليهود حيث يوجد منزل داود، ويستطيع الباشا أن يستحضرهم لكي أعترف أمامهم بذلك، وأواجههم بالحقيقة، وقد مر هنا منذ فترة وجيزة (إسحاق بتشوتو) صديق آل هراري، وهو تحت الحماية النمساوية، وسألني هل اعترفت بشيء؟ لما أجبته سلباً قال لي: (سأتوسط في خلاصك) وتركني ومضى.. ولو كنت أعلم أن مواعيده مواعيد عرقوب لكنت اعترفت فوراً..).


خالد النبهان
Admin

عدد المساهمات : 115
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 29/12/2009

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى