القادمون من المريخ
بقلوب ملؤها المحبة وأفئدة تنبض بالمودة
وكلمات تبحث عن روح الاخوة
نقول لك أهلا وسهلا زائرنا الكريم
اهلا بك بقلوبنا قبل حروفنا بكل سعادة وبكل عزة

ندعوك للتسجيل اذا احببت الانضمام لاسرتنا والمشاركة معنا
ولا تبخل علينا بمشاركاتك
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
» رام الله - وطن للأنباء - يوسف الشايب
الإثنين 5 نوفمبر - 22:34 من طرف فايز سليمان

» هذا البيان لاثبات من يقوم بقصف اليرموك
الإثنين 5 نوفمبر - 22:32 من طرف فايز سليمان

» رفضًا لتصريحات محمود عبّاس
الأحد 4 نوفمبر - 12:13 من طرف سالي

» من قام بحادث رفح
الجمعة 2 نوفمبر - 0:06 من طرف فايز سليمان

» الجزء الثاني
الخميس 1 نوفمبر - 15:50 من طرف فايز سليمان

» هل تتذكرون
الخميس 1 نوفمبر - 15:36 من طرف فايز سليمان

» الفرقان الحق ( بدلاً عن القرأن )
الخميس 1 نوفمبر - 15:34 من طرف فايز سليمان

» خواني واخواتي
الخميس 1 نوفمبر - 15:31 من طرف فايز سليمان

» نقلا عن الأسبوع المصرية
الخميس 1 نوفمبر - 15:29 من طرف فايز سليمان

التبادل الاعلاني
احداث منتدى مجاني
تصويت

رواية دم لفطير صهيون ج1 -الكاتب نجيب الكيلاني

اذهب الى الأسفل

رواية دم لفطير صهيون ج1 -الكاتب نجيب الكيلاني

مُساهمة من طرف خالد النبهان في الأربعاء 23 فبراير - 21:20

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

رواية دم لفطير صهيون ج1 -الكاتب نجيب الكيلاني
===================
نحن في دمشق في أوائل عام 1840م، بعد أن احتلت قوات محمد علي باشا الشام بقيادة ولده إبراهيم باشا، ذلك القائد المحنك، وهاهي دمشق تخضع للحكم المصري، وواليها من قِبَل الجيش المنتصر هو الرجل اليقظ شريف باشا. وليس في دمشق كلها من لا يعرف تلك الحارة الشهيرة المميزة، حارة اليهود. فإذا سرت في هذه الحارة، وقعت عيناك على رجال اليهود ونسائهم وأطفالهم، وعلى بيوتهم المتلاصقة المزدوجة: الأبواب تبدو صغيرة قليلة الارتفاع، لا يكاد المرء يدخلها إلا منحنياً، ولا تتسع لأكثر من واحد، وكأنها أبواب الدهاليز الغامضة، والباب يقودك إلى ممر ملتوٍ كالأفعى، يفضي إلى باحة واسعة تنتثر فيها الأغنام والطيور، والأرانب، وبعض الحشائش، وقد تجد أشجاراً مثمرة كالتين والعنب، ومن آن لآخر ترى حانوتاً لبيع الخبز والمأكولات، وآخر يتلألأ فيه بريق الذهب والجواهر، وثالثاً يكتظ بأنواع الأقمشة والمنسوجات ذات الألوان الزاهية، وقد تجد بالقرب منه خاناً كبيراً لبيع الأخشاب، وهناك قرب النهاية تجد (كنيس الإفرنج) الذي يتردد عليه اليهود لتأدية شعائر دينهم في حرية تامة، وإلى جوار الكنيس يقبع محل (سليمان الحلاق) الذي يتردد عليه كثير من الزبائن اليهود وغير اليهود، وسليمان ذرب اللسان، حلو النكتة، يقلّد الأوربيين في طريقة قص الشعر، وتنظيم الخصلات، وتنميق السوالف، وسليمان مشهور أيضاً بعملية (فصد الدم) بارع في تأديتها، فكثيراً ما تراه يغلق دكانه ويحمل حقيبته، ويذهب إلى أحد البيوت لإجراء فصد الدم لبعض المرضى، وسليمان يهمه بالدرجة الأولى ألا يخرج من أي بيت خاوي الوفاض، ومن ثم تراه يؤكد لكل مريض أن فصد الدم ضروري له، حتى ولو كان هذا المريض مصاباً بفقر الدم والهزال، أو كان يعاني من إسهال حاد. إن سليمان يحب المال ويحب منظر الدماء أيضاً، والفصد يحقق له الهدفين معاً، وسليمان سمح الوجه، باسم دائماً لا تكاد تعبيرات وجهه تشف عما يعتمل في داخله.
وفي حارة اليهود بدمشق تقيم أسرة (هراري) ذات الثراء الفاحش والتجارات الواسعة والصيت الذائع. إن منزل (داود هراري) يعرفه الجميع، فهو بناء جديد يوحي بالعظمة والغنى والنفوذ، نوافذه الزجاجية ذات الستائر الحريرية تجذب إليه الأنظار، وطلاؤه الناصع البياض يوحي بالإعجاب والمتعة، حتى النسوة اللاتي تظهر وجوههن من النوافذ أو فرجات الأبواب يتمتعن بجمال فائق، وأصواتهن الرخوة الناعمة تثير خيال المراهقين، وتحرك الدماء بعنف في عروق الرجال. ومن أشهر الرجال الذين يقيمون في حارة اليهود الحاخام (موسى أبو العافية) والحاخام (موسى سلانيكلي) إنهما كثيراً ما يبدوان في الحارة وهما ذاهبان إلى الكنيس أو عائدان منه، يحوطهما الوقار والهدوء والغموض، وهي من لزوميات رجل الدين اليهودي..
وفي حارة اليهود تبدو أشياء مسلية، بل ومضحكة في بعض الأحيان. إن عشرات من الشبان (الشوام) وبعض عساكر محمد علي، يمضون في حارة اليهود يوزعون نظراتهم يميناً وشمالاً، ويحاصرون النسوة السائرات في الطريق بعيونهم النهمة الجائعة، ويطلقون كلمات الغزل الساذجة بصوت خفيض في أغلب الأحيان، ونادراً ما يقولونها بصوت مرتفع، والخجل يوشي وجوههم التي تفيض حيوية، فالشائع عندهم أن النساء اليهوديات لا يكترثن كثيراً بالآداب المرعية، ولا مانع لديهن من أن تنصب في آذانهن كلمات الإطراء والثناء على جمالهن، وعديد من الأقاصيص والحكايات يرويها المراهقون عنهن، ويبالغون في تفاصيلها، ولعل مما يقوي هذه الظنون حب اليهود للمال، ورغبتهم في الحصول عليه من أي طريق، فلا عجب أن تقع العين على أحد الشبان وهو يعبث بجيوبه ويحركها حتى يصدر عنها صوت ارتطام القروش ببعضها، أو رنين القطع الذهبية، ذات الصدى الساحر، وعلى الرغم من أن هذه المظاهر قد تؤذي مشاعر الرجال من اليهود إلا أنهم يغضون الطرف عنها، ويتجاهلونها تماماً، أملاً في أن يميل بعض هؤلاء على المحلات التجارية، ويشتري بعض أغراضه، ومن آن لآخر تسمع أحد تجار اليهود يدلل على بضاعته قائلاً:
(تفضلوا يا شباب... عندنا عطور فاخرة...).
(هنا أعظم الثياب الحريرية..).
(تفضلوا.. مجوهرات.. وخواتم ذهبية وفضية..).
وغيرها من الأشياء التي تصلح كهدايا.
وقد يتقابل أحد الشبان صدفة مع إحدى اليهوديات وهي تشتري بعض ما تحتاج إليه من بضائع، فترمقه بنظرة عابرة، فتغذي تلك النظرة خياله بآلاف الأمنيات، وتشعل في كيانه الرغبات الجامحة، فيمضي وراءها مسلوب الإرادة حتى يراها وهي تختفي وراء أحد الأبواب، ويبقى هو رائحاً غادياً يحلم باللقاء العامر بكل ألوان الملذات، ويظل هائماً في أحلامه حتى يحط المساء، وتنبعث أضواء المصابيح الهزيلة.
وليس في مدينة دمشق كلها من لا يعرف الأب (توما)، أو البادري توما كما يسمونه، وهو قسيس من سردينيا، إيطالي الأصل، لكنه يتمتع بالجنسية الفرنسية ويعيش في دمشق منذ أكثر من ثلاثين عاماً. لقد تخطى آنذاك الخامسة والخمسين من عمره، ومع ذلك فإن وجهه الأشقر يفيض بالحيوية والنشاط، وعينيه الصافيتين تنسكب منهما الطيبة والرضى واليقين، ولحيته الشقراء التي تناثرت فيها الشعيرات البيضاء تقطر سماحة وأمناً وثقة، الرجال يبشّون لمقدمه، ويجلّونه أشد الإجلال، والنساء ترمقنه في احترام بالغ، والأطفال يمتزج حبهم له بشيء قليل من الخوف لأنه يعطيهم دائماً الطعم الواقي ضد الجدري، حتى اليهود برغم عدائهم التقليدي للمسيحيين لا يشذون عن هذه القاعدة، ويبدون كثيراً من التقدير والمحبة للأب توما، بل إن اليهودي المعروف التاجر الثري (داود هراري) يُعدّ من أصدق أصدقاء الأب توما، وأخلص خلصائه، وكثيراً ما يراهما الناس جالسين معاً، يتناقشان في أمور الدين والدنيا، ويرشفان أقداح القهوة التركية، ويتبادلان المِلَح والطرائف في مودة لا مثيل لها..
ويسكن (الأب توما) – مع خادمه الوحيد إبراهيم عمار – في دير صغير، لا ثالث لهما، حياتهما هادئة بسيطة لا متاعب فيها ولا منغصات. (والأب توما) وقته موزع بين العبادة والقراءة ومعالجة المرضى، ولديه في الدير مكتبة عامرة بكتب اللاهوت والتاريخ والطب واللغة، وهو حريص على مدوامة النظر في كتب الطب، القديم والحديث، فتجد لديه كتب ابن سينا، وابن النفيس، والرازي، المترجمة عن العربية إلى اللاتينية والإنجليزية والإيطالية، كما تجد المؤلفات الحديثة في علم التشريح والحميات والأقربازين والفيزياء وغيرها، وفي مقدور الأب توما أن يعطي الناس الطعم الواقي ضد الجدري لأن هذا المرض كان كثير الانتشار في تلك الأيام، وكان يأتي على هيئة موجات وبائية عنيفة تكتسح المدن والقرى وتخلف وراءها الكثير من الشقاء والأحزان والعاهات، بل كثيراً ما كانت تترك جيشاً بأكمله مجموعةً متناثرةً من الجثث والعفن والبلاء.. والأب توما يستطيع أن يمارس بعض العمليات الجراحية الصغيرة، كأن يشق خرّاجاً أو يجبر كسراً، أو يخيط جرحاً، كما كان يداوي الكثير من الأمراض الباطنية باستعمال خلاصة الأوراق والنباتات التي يغليها فوق النار، وقد يقطر بعض المطهرات في عيون المرمدين، أو يضع بعض المراهم على رؤوس الأطفال المصابين بالقراع، وتراه في الصباح الباكر يستعد لإقامة الصلاة في الدير، فيفد إليه عديد من الناس، فيلقي مواعظه، ويؤدي الشعائر، وكان له الكثير من الأصدقاء المرموقين، ذوي المراكز والكفايات العلمية والدينية، ومن أهمهم الخواجا (سانتي) الذي يعمل صيدلياً بالمستشفى العام بدمشق، وكثيراً ما كان (سانتي) يستعير الكتب من (الأب توما)، ويقضي معه بعض السهرات الليلية، يتدارسون فيها أمور العلم والدين والسياسية. قال له سانتي ذات مساء:
- (لماذا لم تتزوج؟).
ابتسم الأب توما وقال:
- (من قال ذلك؟؟ لقد تزوجت..).
نظر إليه سانتي باهتمام وقال:
- (عهدتك تتحرى الصدق دائماً..).
هز الأب توما رأسه وقال في شيء من الشرود:
- (لقد تزوجت الحقيقة).
انفجر سانتي ضاحكاً وقال في معاتبة:
- (المرأة أقوى حقيقة في حياتنا).
- (الإنسان ليس الحقيقة كلها بل هو جزء منها.. يا صديقي العزيز سانتي.. لقد عشت لها.. للحقيقة).
همس سانتي وقد بدا الخجل على عينيه:
- (لكن المرأة حقيقة تبعث الدفء في القلوب والأرواح والأجساد..).
- (الحقيقة الكبرى دفؤها أبدي خالد).
ونظر الأب توما إلى السماء الصافية المرصعة بالنجوم المتألقة، وكان الجو بارداً وتمتم:
- (طوبى لكل الأتقياء).
تنهد سانتي وهتف:
- (إنه ضرب فريد من البطولة).
- (ماذا تقصد؟؟).
- (اغفر لي يا أبتاه.. أنا أصلي وأصوم.. لكن عطر النساء يدير رأسي، ولهذا تزوجت ولا أستطيع أن أتصور رجلاً طبيعياً بدون امرأة).
قال توما في يقين ثابت:
- (إنه حرمان بإرادتي.. لم يلزمني به أحد، وأنا لا ألزم به أحداً.. فليتزوج الرجال.. وليأت إلى الدنيا أطفال كالزهور.. لكن لابد أن يكون هناك طائفة يتفرغون لمجد الله، ويعشقون الحقيقة.. ويهبون حياتهم كاملة لها..).
وشرب الأب توما جرعة من القهوة واستطرد:
- (أنا في قمة السعادة.. حينما أتأمل الوجود.. وأفكر في عجائب مخلوقات الله.. وأندمج في هذا الكون.. وأتذكر (السيد العظيم) أهيم في عالم وردي رائع.. وأنتشي نشوة كبرى).
ثم التفت إلى سانتي قائلاً:
- (ألست معي في أن الملذات تختلف؟ هناك من يجد لذته في الطعام، وآخر يجدها في المال وجمعه، وثالث لا يستشعرها إلا في أحضان النساء.. وهكذا.. وأنا العاشق للكون وما فيه، أنا أنعم في رحاب الحقيقة الأبدية أشعر أن سعادتي لا بداية لها ولا نهاية.. وُجدَت قبل أن أولد.. وستمتد.. وتتخطى سنوات العمر.. وترافقني في الآخرة.. أتعي جيداً ما أقول يا سانتي؟؟).
هز سانتي كتفيه وقال:
- (أقرّ بعجزي..).
- (إن لك أجنحة، ولكنك تأبى أن تجربها..).
- (أية أجنحة..؟).
- (الروح تستطيع أن تخترق بها الحواجز والحجب..).
- (أنا ثقيل.. ثقيل.. يا أبتاه..).
ربت (توما) على رأسه في حنان صادق وعيناه مبللتان بالدموع وتمتم في رقة:
- (فليحرسك الله.. وليبارك مسعاك).
وسادت فترة صمت قال الأب توما بعدها:
- (الرحلة طويلة شاقة لكنها ممتعة.. ما زلت أذكر الأيام والليالي.. جزيرة ساردينيا.. ونحن أطفال.. الشاطئ الجميل.. الصغيرات اللطيفات يلعبن في المياه النقية كالأوزات ويتردد صدى ضحكاتهن البريئة في الآفاق.. وابتسامات الفتيات الجميلات في ظلال الخمائل.. كنا نأكل في نهم.. ونشرب.. ونلهو.. ونعبّ الحياة عبّاً.. كان كل شيء رائعاً وجميلاً.. ودخلت مدرسة اللاهوت.. وتفتحت عيناي على السطور الأولى من كتاب الحقيقة.. والكتب لا تضم كل شيء.. هناك أشياء كثيرة نتعلمها من التجربة وأشياء أخرى تنبثق من الذات، وينبض بها القلب.. وتشدو بها الروح، قد لا نستطيع التعبير عن هذه الأشياء مع أنها أروع ما في الحياة والوجود.. لكنها موجودة.. وأشعر بها جيداً.. هي زادي وحياتي.. لذا تراني سعيداً وأشعر أكثر بالسعادة حينما أراني وقد اجتزت تلك المسافات الشاسعة في عالم النفس الرحب الكبير.. آه يا سانتي.. أنت يا سانتي لا تشعر بما يعمر قلبي من مجد وروعة).
لا يستطيع أحد أن ينكر ما لداود هراري من بطش ونفوذ وشخصية مرموقة، هو بمقاييس رجال الدين اليهودي من المتدينين الأوائل الذين يحافظون على الصلاة، ويهتمون بالشعائر، ويظهرون احتراماً وتقديراً بالغين نحو الحاخامات، وكثيراً ما أجرى الترميمات اللازمة للمعبد اليهودي أو أعاد صباغته بالألوان الزاهية من عام لآخر، وهو بمقاييس رجال التجارة مراوغ كبير وذو حاسة تجارية لا تخيب، كما لو كان له قرنا استشعار يعرف بهما ما سوف يجد من أزمات في بعض أنواع البضائع، فتراه يخزن بعض المواد، أو يجمعها من التجار ثم يخفيها تماماً، وعندما تستحكم الأزمة، وتشتد الحاجة إليها، يظهرها بمقدار، ويوزعها في السوق السوداء، فيبيعها بأغلى الأسعار، وهو بمقاييس رجال النفوذ صاحب مركز قوي تربطه برجال القنصليات روابط وثيقة، وقريب من الحكام، ويستطيع الحصول على كل ما يستعصي عليه نواله بماله، وهو رجل أسرة يقبض على زمام الأمور بيد حديدية، فلا تستطيع زوده الجميلة (كاميليا) ولا أولاده أو خدمه، أن يحيدوا عن السياسة التي يرسمها قيد أنملة، فهو على ما يظهر رجل ناجح موهوب ينسق حياته العامة والخاصة تنسيقاً يكاد يكون آلياً، لكن أحداً لم يكن يعلم أن زوجه (كاميليا) كثيراً ما تضيق بهذا النظام الآلي الصارم، بل وتشمئز منه، لكنها في نفس الوقت كانت مهيضة الجناح، مستسلمة للأمر الواقع، لا تستطيع أن تغير من الأمر شيئاً، وكانت تكتم في نفسها تمردها وحنقها، وكانت صغيرة السن بالنسبة له، فهو فوق الخامسة والخمسين، أما هي فلم تكن قد بلغت الثلاثين من عمرها، وعندما كان داود يدعو علية القوم إلى بيته كانت زوجه كاميليا تجلس وسط النسوة متألقة كالزهرة الندية، عيناها تنبضان بسحر جذاب فاتك، وعليها مسحة من حزن لا يكاد يبدو، يزيد رونقها بهاء وفتنة، وكان كل واحد من الحضور يتمنى أن يراقصها أو يجاذبها أطراف الأحاديث، لكنها على ما يبدو كانت خجولاً لم تتعود هذه الجرأة وذلك الاختلاط برغم الحفلات المتكررة. ولم يكن داود ليسمح لها بأن تغادر البيت وحدها، ولا تذهب إلى بيت أبيها أو جيرانها أو صديقاتها إلا في صحبته، وكان ينبّه عليها قبل كل حفلة أو مأدبة بألا تسمح لأحد بمراقصتها أو بالإطالة في الحديث معها، مهما كانت شخصيته، حتى ولو كان سفيراً من السفراء، أو قنصلاً من القناصل، والغريب أنها بالرغم من حنقها عليه كانت تخافه، وتعمل له ألف حساب، كان ظاهرها في الواقع يتسم بالطاعة والرضى والحب لزوجها، وكانت أعماقها تكتظ بكراهية زائدة له ولأسلوبه في الحياة، لكن السر الخطير الذي لم يكن يعلمه أحد هو صلتها المريبة بخادم الأسرة (مراد الفتال)..
ومراد هو محل ثقة زوجها، ويعرف الكثير عن أسرار سيده وصفقاته المريبة، بل يعرف أشياء قد لا تعرفها كاميليا نفسها..
إن مراد هو خادمه الأمين الذي يثق به ثقة مطلقة، والحق يقال فإن مراد كان مخلصاً لسيده داود، ملتزماً بالآداب المرعية، وكان متعلقاً بفتاة يهودية تقوم هي الأخرى بالخدمة في بيت داود هراري، وكان كل أمله أن يتزوجها، اسمها (أستير) لم تتخط التاسعة عشرة، وهو يكبرها بخمس سنوات، ويبدو أن سيدتها قد أدركت العلاقة الوليدة بينها وبين زميلها في الخدمة مراد، فاشتعل قلبها بالحقد عليها، وكثيراً ما همت بطردها لكنها وقفت عاجزة أمام هذه العقدة، لأن طردها ربما يؤدي إلى فرار مراد الفتال، وكاميليا لا تريد ذلك ولا تطيقه، بل لعل تهور كاميليا في مثل هذه الحالة قد يكشف ما خفي، وينجلي عن فضيحة كبرى، ولذا كانت (كاميليا) مضطرة لأن تخفض من حدة غضبها وغيرتها، وتسوس الأمور بطريقة عاقلة، وتتحمل وجود أستير، ويكفي أن مراد الفتال طوع بنانها..
قال داود:
- (لسوف أرحل اليوم إلى بيروت يا كاميليا).
وعلى الرغم من أنها كثيراً ما تطرب لسفرياته، وتتمنى أن تتكرر دائماً، إلا أنها هتفت في دهشة:
- (إنك كثير الأسفار.. وتتركني وحدي دائماً أعاني الوحدة والعذاب..).
نظر إلى وجهها الحزين، وعينيها الدامعتين، وتمتم:
- (أتحبينني لهذه الدرجة؟؟).
بان الغضب على ملامحها، ونفرت منه في احتجاج، وأعطته ظهرها وهي تقول:
- (يا لك من ظالم!! ألا تعرف حبي بعد هذه السنوات الطوال من الزواج؟؟ ثلاث عشرة سنة يا داود، إنها عمر..).
كانت في قرارة نفسها تشعر بأن أيامها معه تشبه أيام السجن برهبته وعذابه وملله..
تنهد في حسرة وتمتم:
- (رجل في الخامسة والخمسين وأنت في عز شبابك..).
التفتت إليه، وشبكت يدها خلف عنقه كطفلة تتعلق بأبيها وقالت وبراءة الأطفال في عينيها الجميلتين:
- (إن مجرد وجودك إلى جواري يبهج قلبي.. علاقتنا فوق الماديات والمطالب الجسدية..).
هذه الكلمات أزعجته، إنه يشم فيها معنى العزاء والتماس المعاذير التافهة لضعف قوته، وانحسار ظل شبابه.. شبابه الذي يعاني آلام الغروب، ويرتجف من هول الشتاء.. شتاء العمر القاسي الذي لا يرحم.. وتمتمت (أنت لم تزل قوياً..).
هي تكذب وهو يعلم ذلك جيداً، وكان حريصاً على أن تنتهي هذه المناقشة بأسرع ما يمكن، لذا قال وابتسامة صفراء ترتسم على فمه:
- (لا تحزني يا حبيبتي.. لن أبقى في بيروت أكثر من أسبوع.. ولسوف أعود بعدها أكثر صحة وعافية..).
وجفف عرق جبينه قائلاً:
- (هناك في بيروت نوع من البذور يقولون إن طحنه ومزجه باللبن وشربه في الصباح قبل الفطور يقوي الهمة، ويعيد الشباب..).
تضرجت وجنتاها البضتان بالخجل وتمتمت:
- (كل ما أريده أن تأتي إليّ سليماً معافى.. أريدك أنت وكفى..).
وشرد بضع لحظات وقال:
- (قال لي الحاخام (موسى أبو العافية) أنه لن يردّ إليّ قوّتي ويرضي ربي، إلا الفطير المقدس، فطير عيد الفصح..).
ارتجفت مفاصلها، وشحب وجهها، وتشبثت به قائلة:
- (بالله عليك لا تطرق هذا الحديث.. إنني أخاف..).
قال في إصرار وعنف:
- (تلك أوامر (التلمود).. ودم المسيحي الممزوج بالدقيق له فعل السحر يا امرأة..).
ثم عاد يقول:
- (ويحي!! ماذا قلت؟؟ ما كان يجب أن أتفوه بمثل هذا الكلام.. إنه خطير.. خطير للغاية..).
قالت كاميليا متوسلة:
- (وأنا لا أريد أن أسمعه منك..).
ليلك يا دمشق تسكره الظلمات، وآلامك يا دمشق ترقبها النجوم الساهرة في طول السماء وعرضها، وذكريات الأمس يا مدينة التاريخ العظيم تفيض بالدماء والجراح والمعارك التي لم يزل يتردد صداها عبر السنين، والعسس يا دمشق يجوبون طرقاتك الخالية المقفرة في صمت ويقظة، مخافة أن ترتفع رأس باعتراض، أو تنطلق صيحة تطالب بالحرية، أو يثب فارس بمدفعه يبدد السكون، ويحيي الموات، ويشعل الحرب من جديد، الغزو والامتيازات الأجنبية يثقلان على كاهلك، ويحجبان وجهك المشرق العريق ويمرغانه في التراب، لكنكِ لم تستسلمي للفناء ولم ترضخي للذل.. لأنكِ يا دمشق من قديم قلعة الأحرار والإيمان.. ومنارة الإسلام والبطولات..
دمشق نائمة في الظاهر، لكن عيونها مسهدة، والدموع تنسكب على الخدود، والمسجد الأموي قد أوى إليه بعض العباد يضرعون إلى الله، ويطيلون السجود والركوع، ووالي دمشق من قِبَل محمد علي باشا (شريف باشا) ينام في قلعته مطمئن البال، هادئ النفس، بعد أن انكسرت حدة المقاومة وهُزمت الجيوش المحلية والتركية، وتمزقت السكينة، واندحر الأمن، لكن حارة اليهود لها شأن آخر، لا يضيرهم أن يأتي حاكم، أو أن يذهب حاكم، فكل حاكم يأتي يدينون له بالطاعة والولاء، ويبذلون له الذهب والنساء، ويتطوعون بإفشاء أسرار المناضلين، ويشون بأعدائهم في الدين، أو منافسيهم في التجارة، أو مناوئيهم في الحرب الخفية.. الدس.. السموم.. الوقيعة هي أسلحتهم التي لم تتغير ولم تتبدل على مدار السنين..
وبيت (داوود هراري) يقبع تحت الظلمات ببنائه الشاهق.. الكل نائم.. الخدم ينكمشون من شدة البرد في حجرة ضيقة للرجال، وأخرى للنساء، وأطفال (هراري) يغطون في سبات عميق، لكن هناك حيَّة تسعى.. هاهي (كاميليا) تتسلل إلى حجرة في آخر الدهليز الأرضي، لا يقربها أحد.. وللدهليز باب صغير في الإمكان إغلاقه بإحكام، وفي نهاية الدهليز حجرة صغيرة قذرة تمتلئ بالأتربة وبعض المخطوطات القديمة والكتب المقدسة، وغيرها من طبعات التلمود الصفراء الرثة وبعض الأغراض الأخرى..
كانت كاميليا تلبس ثوباً شفافاً يبرز مفاتن جسدها، وفي يدها شمعة يتحرك لهبها المرتجف فيرسم على الحيطان ظلالاً تبدو كالأشباح الخرافية، وأخذت كاميليا تنظر يمنة ويسرة، وتنتقل في قلق من مكان إلى مكان، وأخيراً وضعت الشمعة على رف صغير في ركن من أركان الحجرة، الانتظار يرهق أعصابها، ويكاد يحطمها، ترى لماذا لم يأتِ؟؟ أقسمت بينها وبين نفسها أن تدمره.. تسحقه.. تقضي عليه قضاء مبرماً إذا أخلف وعده ولم يحضر.. اللحظات القصار تبدو كدهر طويل.. وهي تريد أن تفعل شيئاً كي يبدد سأمها وضيقها وتهدئ من خفقات قلبها، ونظرت إلى جوارها فوجدت كتاباً قديماً يغطيه الغبار فتناولته وأخذت تقرأ: (الطور يورد).
هو كتاب ألّفه العالم الرباني يعقوب، وهو أحد أئمة اليهود وآراؤه معتبرة في المسائل الدينية، وجاء في البند 158 إنه (محرم على اليهودي أن ينجِّي أحداً من بقية الأمم من البئر التي يكون وقع فيها، وعلى الطبيب اليهودي ألا يداوي أمميَّا (غير إسرائيلي) مطلقاً ولو بالأجرة إلا إذا أراد ضرره أو الانتفاع بماله، فإذا كان مبتدئاً في هذا الفن، فليتعلم بمداواة باقي الأمم، ويجوز إجراء المعالجة مجاناً في هذه الحالة..).
تضايقت كاميليا من هذه الكلمات، فقذفت بالكتاب بعيداً وعادت تنظر إلى باب الدهليز الضيق المظلم، وتحاول جاهدة أن تتسمع وقع خطوات الرجل القادم، لكن أحداً لم يأت.. لقد مضى على الموعد أكثر من نصف ساعة، ما معنى ذلك؟ إنها تكاد تجن.. لا يمكن أن يخدعها هكذا.. لو فعل ذلك لذبحته، هي على استعداد أن ترتكب أية حماقة من أجل تحقيق رغباتها الآثمة، وإشباع ظمئها وجوعها. وبطريقة لا شعورية تناولت مخطوطاً آخر مكتوباً بخط اليد الأسود، وأخذت تقرأ دون أن تدرك معنى لما تقرأ: (لا تعتبر اليمين التي يقسم بها اليهودي في معاملاته مع باقي الشعوب يميناً؛ لأنه كأنما أقسم لحيوان، والقسم لحيوان لا يُعد يميناً.. فإذا اضطر يهودي أن يحلف لمسيحي فله أن يعتبر ذلك الحلف كلا شيء.. على أنه لا معنى للنزاع القائم على الأموال بين اليهودي وغير اليهودي. إن أموال المسيحي ودمه ملك لليهودي وله التصرف المطلق فيها، وله الحق، طبقاً لقواعد التلمود، في استرجاع تلك الأموال).
لم تشعر كاميليا لهذه الكلمات بمذاق، أو معنى، على الرغم من معرفتها بأنها من قواعد الديانة اليهودية التي تجلها وتحترمها، بل وتؤمن بها أعمق الإيمان.. وعادت تنظر من جديد إلى الدهليز المظلم والباب الصغير، وأشباح الظلال تتراقص على الحيطان الجرباء الرطبة ذات الرائحة المميزة.. إنها تكاد تختنق: (هذا الملعون لماذا لم يأتِ؟ لئن رأته عيناي لأنشب أظافري في جسده وفي عينيه لا.. لا.. إن عيونه جميلة تنضح بالحيوية والرجولة.. وليست ذابلة ميتة كعيون زوجي..). تنهدت في تعاسة.. وأخذت تبكي وتضرب يديها ورأسها في سرير قديم لكنها سرعان ما استعادت هدوءها وجففت دموعها.. واختطفت كتاباً ثالثاً صغيراً وأخذت تقرأ فيه.. لكن الكلمات شدتها هذه المرة.. (ماذا أرى يا إلهي؟؟) فلتقرأ بصوت مرتفع:
وقال الربي كرونر: (إن التلمود يصرح للإنسان اليهودي بأن يسلم نفسه للشهوات إذا لم يمكنه أن يقاومها، ولكنه يلزم أن يفعل ذلك سراً لعدم الضرر بالديانة، ولقد ذكر في التلمود عن كثير من الحاخامات مثل الربي (رابي) والربي (نحمان) أنهم كانوا ينادون في المدن التي يدخلونها عما إذا كان يوجد فيها امرأة تريد أن تسلم نفسها لهم عدة أيام.. وجاء في التلمود أيضاً عن الربي (اليعازر) أنه فتك بكل نساء الدنيا، وأنه سمع مرة أن واحدة تطلب صندوقاً ملآناً بالذهب كي تسلم نفسها فحمل الصندوق وعبر سبعة شلالات حتى وصل لها.. وجاء في التلمود أن هذا الحاخام لما توفي صرخ الله في السماء قائلاً تحصّل الربي (اليعازر) على الحياة الأبدية..).
وعادت كاميليا تقرأ هذه الكلمات المثيرة مرة أخرى بإعجاب.
كيف تكون هذه الكلمات في الكتب الإسرائيلية المقدسة دون أن تدري عنها شيئاً؟ إن زوجها لا يذكر لها شيئاً عن ذلك ولا يخبرها إلا عن الفطير المقدس..
وتوقفت عن التفكير حينما سمعت صرير الباب..
ها قد أتى مراد الفتال..
(أيها الملعون كدت أفقد عقلي..).
تشبثت به كأغلى أمنية تفوق الدين والدنيا بالنسبة لها.. وشربت مرة أخرى.. وشرب مثلها من خمر معتقة، كان يرتجف.. لكنها قالت في سخرية عابثة: (سوف تحصل على الحياة الأبدية كالحاخام اليعازر.. تصور يا مراد أنني غريبة.. غريبة جداً! أحياناً كثيرة أحب القذارة.. هذه الغرفة بما فيها من تراب وظلام وأتربة وصرارير وأغراض قديمة.. تلذ لي.. تبعث النشوة العارمة في كياني.. أكاد أتقيأ من سرير داود النظيف وملمسه الحريري، وأكره الأثاث الفاخر في غرفة نومي.. إشرب هذا الكأس.. لا تخف، لن يأتي أحد إلى هنا مطلقاً.. إنني أعني ما أقول، لقد رتبت كل شيء.. النسوة في دمشق يستمتعن بالحياة الحلوة فلم أحرم أنا منها؟؟ اللعنة على كل شيء.. لديّ المال والعطور والمجد.. لكني أبصق على كل شيء لأني أشعر بالحرمان، ولا أعرف للحب معنى مع داود.. إنه ليس رجلاً ومع ذلك فأنا مضطرة لاحترامه.. يا مراد هذه الحجرة القذرة الصغيرة هي جنتي الموعودة، لنشرب ونستمتع بالحياة، وأنت لا تخف.. فقد جاء في التلمود أن (اليعازر) قد فتك بكل نساء الدنيا.. ولم يحرقه الله بالنار.. وإنما تحصّل على الحياة الأبدية..).
دمشق نائمة..
والظلام كالكابوس المرهق..
وحارة اليهود تتلوى كثعبان كبير.. في جوفه الجواهر.. والقطع الذهبية.. وزجاجات الخمر.. وغانيات يلعبن بالنار.. ويرقصن رقصات غجرية.. وحاخامات يتحدثون عن الفطير المقدس.. ودم المسيحيين.. وعيد الفصح الذي اقترب..
(إني أكره هذا الرجل كراهية لا مثيل لها..).
هذا ما كان يردده سليمان الحلاق دائماً أمام أصدقائه من اليهود، وكان يقول ذلك عن الأب (توما) أمام صديقه (مراد الفتال) ويؤكد عليه في وجود آل هراري، ويصرح به في فخر أمام الحاخام موسى أبو العافية، والحاخام موسى سلانيكلي.. وكان يحاول أن يعلل كراهيته للقسيس تعليلاً دينياً، فاليهود يكرهون المسيحيين ويعتبرونهم وثنيين، ويستبيحون أموالهم ودماءهم، بل يضعونهم في مرتبة تساوي مرتبة الحيوانات والبهائم، حسب تعليمات (التلمود)، لكن السبب الحقيقي الكامن وراء كراهية سليمان الحلاق للبادري توما هو المهنة.. أجل.. لأن سليمان يزاول مهنة الطب، والأب توما يمارسها هو الآخر، لكن الجميع يعرفون أن توما يمارسها على أسس علمية، وتجربة طويلة، أما سليمان فهو محدود الكفاءة، أغلب نشاطه يدور في مجال (فصد الدم)، ولا يلجأ أحد إلى سليمان إلا في حالة تعذر وجود الأب توما، أو انشغاله بأعمال كثيرة، ومن ثم فلا مناص من أن يلجأ المريض إلى سليمان مضطراً..
ويقول سليمان لزوجته:
- (تصوري هذا المأفون المدعو توما يعالج الناس جميعاً بالمجان!! إنه يضحي في سبيلهم بماله ووقته دون أن يجني أية فائدة، والناس يثقون به. عندما أتذكر السنوات الطويلة التي قضاها هذا الأبله في خدمة الناس دون أجر أكاد أجن، لو تقاضى أجراً لكان الآن يملك مئات ألوف الألوف من الدنانير الذهبية، الأهم من هذا كله لو لم يكن هذا الرجل موجوداً في الشام لكنت ربحت الكثير من وراء المسلمين والمسيحيين هنا.. لكن ذلك الملعون أغلق باب الثراء والمجد في وجهي.. ولن أنسى ما حييت أنه أساء إليّ أكثر من مرة. أجل.. ستقولين إنه لا يسيء إلى أحد. لكني أؤكد لك أنه كثيراً ما كنت أصف دواء لمريض فيأتي هو ليغير الدواء، لم يكن يتكلم عني بشيء نابٍ لكن مجرد إهمال علاجي أو تغييره يعني أشياء خطيرة، معنى ذلك أني جاهل، كل الناس يسخرون مني، ويتهامسون قائلين: سليمان لا يعرف شيئاً في الطب سوى فصد الدم. آه يا زوجتي.. ربما أفضل أن يتهمني الناس في شرفي ولا يتهموني في كفاءتي في مهنتي..).
ومع ذلك فقد كان سليمان يعيش في بحبوحة من العيش، ويحاول جاهداً أن يتغلب على أحزانه وهواجسه، وكان يبتسم في وجه الأب توما كلما تصادف ولقيه في الطريق العام، أو اجتمعا معاً عند مريض. وذات مرة تجرأ سليمان وقال له:
- (أيها البادري الصالح.. يجب أن تتقاضى أجراً على جهودك الدائبة في الليل والنهار.. الأجر يجعل لعملك معنىً وقيمة.. حينما تقدم للناس شيئاً بلا ثمن فإنهم يزهدون فيه.. لا يقدّرونه حق قدره..).
ابتسم الأب توما في رقة وقال:
- (أي سليمان لا أريد أجراً، ولا أنشد مجداً بين الناس، إن عينيّ متجهتان دائماً صوب السماء، من أجل المسيح أعمل.. وفي سبيل التعساء من بني البشر أجاهد.. والسعادة التي تتدفق بين حنايا الضلوع هي الثواب الكبير.. إنها نعمة كبرى.. فليبارك الرب مسعانا..).
كلمات البادري كان لها وقع السهام على قلب سليمان، وابتسامة البادري النقية أثارت حنق سليمان الحلاق، فتمنى أن ينقض عليه ويخنقه، وهدوء الرجل أشعل عاصفة من الحقد في قلبه، لكن سليمان بادله ابتسامة بابتسامة، وإن كان التناقض كبيراً بين الابتسامتين، وأثنى على فضيلة الأب وحسن إخلاصه ودعا له بمزيد من التوفيق والنجاح..
قال سليمان لزوجه:
- (إنني أعتقد أن صلحاء هذا العالم هم البلهاء.. لو لم يكن لكل شيء ثمن في هذه الحياة لما وجد الملايين الرغيف.. انظري.. إنني أزِنُ عملي بمقدار ما أسعى من خطوات، وبقدر ما أقضي من ساعات، وعلى أساس ما أحققه من نجاح، هذا هو الصواب في رأيي، لكن هناك نقطة هامة يا زوجتي، إنني لم أصل بعد إلى الهدف المنشود، ما معنى ذلك؟ ليس له سوى معنى واحد هو أن العمل الشريف وحده لا يستطيع أن يصعد بالإنسان إلى قمة المجد، لابد إذن من الوثب.. القفز العالي.. لابد من التفكير لكي أصل إلى الهدف الأعظم.. أراني مضطراً لأن أكذب وأمالئ وأنافق وأسرق بل وأقتل في بعض الأحيان. ألا ترين كيف حكمت أوروبا العالم وسيطرت عليه؟ وكيف استطاع الإنجليز أن يثبتوا أقدامهم في الهند..؟ لابد من الخوض في دماء البشر وجثث الضحايا.. الأقوياء ينتصرون.. وليست القوة سيفاً ومدفعاً.. لكنها عقل يفكر.. ولكنها قوة إرادة تسحق هواجس النفس وضعفها، وتسخر من كل القيم النبيلة.. الجَسور وحده ينتصر ويثري.. ويبلغ قمة المجد..).
واحتقن وجه (سليمان الحلاق) وزمجر قائلاً:
- (هأنذا ما زلت حلاقاً حقيراً في حارة اليهود.. مهنة تافهة حقيرة يستطيع أن يتعلمها أغبى خلق الله..).
ثم لمعت في عينيه بارقة انتصار وقال:
(لكن الأمل لم يزل حيّا في قلبي.. بيني وبين النصر خطوة واحدة.. قال لي داود هراري سوف نضرب يا سليمان ثلاثة عصافير بحجر واحد.. أولاً سنحقق أمراً دينياً هاماً، ثانياً نقضي على منافسٍ خطير، ثالثاً ستربح يا سليمان أنت بالذات مالاً وفيراً..).
قالت زوجه في دهشة:
- (أنا لا أفهم شيئاً مما تقول يا سليمان..).
- (ليكن.. فقد اجتمعنا.. وأصدرنا أمرنا..).
لوت الزوجة شفتها السفلى في حيرة:
- (تزيدني همّاً وغموضاً..).
- (إنه أمر سري لا يخص النساء..).
دق قلبها في توجس وقالت:
- (إني خائفة..).
- (الخوف لا يحقق نصراً لا يصنع مجداً يا امرأة..).
- (من خاف سلم يا زوجي).
- (لو اعتصمت بالخوف لبقيت واقفاً في مكاني طول حياتي دون تغيير حتى تجيف جثتي.. وأموت كالكلب..).
وعاد سليمان إلى حجرته وحيداً يفكر، أخذ يتصفح الوجوه التي التقى بها منذ ساعات في كنيسة الإفرنج، إنهم من علية القوم وكبرائهم؛ الحاخام موسى أبو العافية، الحاخام موسى سلانيكلي، داود هراري وأخواه هارون وإسحاق، يوسف هراري، يوسف لينيادو.. ثلة من رجال الدين ورجال المال. في هذا الركب يجب أن يسير سليمان، ومع هؤلاء الكبار يجب أن يتبوأ مقعده، ذلك مكانه الطبيعي، فليفعل أيّ شيء، إنه بذلك يلبي إرادة الله، ويحقق ذاته ويكسب المال، والمحركات كلها في طيّ الكتمان، كل شيء قد تم رسمه بدقة متناهية، وما هي إلا ساعات حتى يصبح سليمان إنساناً آخر.. لن يترك (محل الحلاقة).. سيبقى كما هو سليمان الحلاق في الظاهر، لكنه في الحقيقة قد ولج باب الجنة الموعودة.. ونال ما يشتهي.. وأصبح رجلاً ذا قيمة.. وردد في سعادة:
- (إنه مبلغ كبير جداً.. كبير لو حَلقت رؤوس أهل الشام جميعاً لما أمكنني الحصول عليه..).
وأخيراً ذهب إلى فراشه ونام، كان يردد أثناء نومه (إنه مبلغ كبير.. أكبر صفقة في حياتي..).
وكانت زوجه تربت على رأسه، وهو يغط في نومه، وتقول: (مسكين سليمان.. فليحقق الله لك ما تبتغيه).
على الرغم من أن الوقت كان عصراً وشهر فبراير (شباط) في بدايته، إلا أن الجو كان دافئاً، والسماء صافية، ودير (البادري توما) رائق هادئ بسيط الأثاث تفوح في جنباته رائحة عطرية، نتيجة لاحتراق العيدان الرفيعة ذات الأريج، والتي تبعث بخيط رفيع من الدخان الأزرق. كان البادري توما يعد نفسه للخروج وقد ارتدى ثوبه الأسود، ولف على وسطه الحزام الأبيض، وهو لا يعدو عن كونه حبلاً نظيفاً بسيطاً، وارتدى طربوشه المعروف، وكان يقف إلى جواره خادمه الأمين (إبراهيم عمار) بعد أن أدى صلاته، وفجأة قال الخادم إبراهيم:
- (أبتاه..).
التفت توما إليه، وقد لاحظ رنة حانية عاطفية في نبرات صوته:
- (ماذا يا إبراهيم؟؟).
قال خافض الرأس:
- (أريد أن أكون تقياً مثلك..).
ابتسم البادري في ودّ وهمس وعيناه تنظران إلى الآفاق الرحبة:
- (من يدري؟؟ قد تكون أفضل مني عند أبينا الذي في السموات..).
قال إبراهيم:
- (مستحيل، إنني أعرف نفسي جيداً.. الخطايا القديمة تغرقني من أخمص قدمي حتى قمة رأسي..).
قال البادري في رضى:
- (هذا بداية الطريق..),
- (لكني يا أبتاه أريد أن أجيد القراءة والكتابة، أتمنى أن أحفظ كل الكتب المقدسة الموجودة لديك عن ظهر قلب.. أريد أن أتقن العربية والعبرية واللاتينية والفرنسية.. أريد أن أعرف الطب.. وأعظ الناس.. أريد أن أخاطب (السيد) بكل لغة.. بقلبي.. وعملي ولساني وقلمي.. إن بداخلي طاقة كبرى..).
وعاد البادري يربت على ظهر خادمه قائلاً:
- (أي بني الحبيب، الله يفهم لغتك دون أن تتكلم.. إنه يعلم خفايا القلوب.. الحفاة العراة من الصيادين والجهلة.. فتح لهم بابه.. أصبحوا حواريين لولده المخلص.. وأخذت الدنيا عنهم المعرفة والنور.. إن يكن قلبك نقياً.. تتفتح لك أبواب السماء وتصير الأرض كلها في قبضة يدك.. ولا حدود لقدرة المؤمن.. لأنها من قدرة الله..).
ألقى إبراهيم بنفسه بين ذراعي البادري (توما) وأخذ ينتحب، فجفف له دموعه وأعاد إليه الأمل والاطمئنان، وظل معه حتى هدأت نفسه تماماً ثم قال:
- (إنني ذاهب الآن يا إبراهيم لألصق إعلانات مزاد تركة (ترانوبا).. إنهم أصدقاؤنا.. وسوف أذهب إلى حارة اليهود كي ألصق الإعلانات أو أغلبها هناك، وسأخبر صديقي الحميم (داود هراري) بهذا الأمر..).
قال إبراهيم:
- (أتظن أنه من الضروري أن آتي معك..؟؟).
- (لا.. لتبق أنت لتعد طعام العشاء.. ويكفي أن تحضر لي حقيبتي الصغيرة، فقد ينتدبني بعض المرضى لإسعافهم أو علاجهم، ما أعظم أن يداوي الإنسان الأرواح والأجسام، ولَكَم كنت أتمنى أن تكون معرفتي بالطب أكثر من ذلك..).
تناول البادري حقيبته، وأدى صلاة قصيرة ثم التفت إلى خادمه إبراهيم عمار قائلاً:
- (لن أبقى هناك طويلاً، فأنا أشعر برغبة في الراحة.. وأرجو أن أجد فرصة للقراءة.. عندما أقرأ أشعر براحة كبرى.. فليباركك الله يا بني الطيب.. وليسدد خطاك..).
وانطلق البادري يخب خباً صوب حارة اليهود
كان البادري يشق طريقه عبر حارة اليهود، وعلى الرغم من أنه اقترب من الستين إلا أنه كان بادي النشاط، تـُرى ملامح السعادة على وجهه الأشقر، وكان الناس يحيونه من آن لآخر فيرد التحية بابتسامة حلوة، أو يلوح بيده شاكراً، أو ينطق بكلمة شكر مهذبة، الجميع يعرفون البادري توما، ليس في حارة اليهود وحدها أو دمشق وحسب، بل إن الرجل لتـُشد إليه الرحال من جميع أنحاء بلاد الشام، تقديراً لطبه وفنه، وإيماناً ببراعته وخلقه الحسن.
ونظر البادري إلى (داود هراري) من بعيد فابتسم في رضى، إن داود صديقه الحميم، وهو رجل طيب معروف أمام الناس بالصلاح والاستقامة، حتى إنهم كانوا يطلقون عليه (اليهودي الصالح)، وبشّ داود لمقدم توما، واستقبله فاتحاً ذراعيه، واحتضنه في حب، وقبّل وجنتيه ولحيته، مما جعل البادري يغمغم (صديقي وحبيبي داود)، وكان يقف خلف داود عدد من اليهود المعروفين: الحاخام موسى أبو العافية، والحاخام موسى سلانيكلي، وهارون وإسحاق ويوسف هراري، ويوسف لينيادو، وتمتم الحاخام سلانيكلي:
- (إن صداقتكما مخيفة.. لكم نخاف على داود أن تخرجه من دينه أيها الأب توما، وتدخله في ديانتك).
ضحك الجميع بينما رد البادري قائلاً:
- (كلنا إخوة).
وقال داود:
- (جئت في وقتك، لدينا ولد نريد أن تعطي له طعماً ضد الجدري الآن..).
- (من حسن الحظ إن معي الحقيبة، غير أن معي أيضاً بعض الإعلانات أريد إلصاقها على باب الكنيس).
قال داود:
- (هيا بنا لإعطاء الطعم أولاً.. وستكون هناك فرصة لشرب الشاي،
ومجاذبتك أطراف الحديث.. إني في شدة الشوق للقياك، لم أعد أطيق فراقك).
وسار الرجال في موكب مهيب يتقدمهم البادري وداود والحاخامان الكبيران، إنها صورة للتسامح والمحبة بين أتباع دينين عرف العداء الشديد بينهما من قديم الزمان، منذ العشاء الأخير للمسيح.. ودلفوا إلى بيت داود عبر الباب الصغير، واجتازوا الممشى الضيق المعتم، وانحرفوا صوب المربع الجديد.
لو قيل للبادري إن البحار هاجت وماجت واشتعلت أمواجها نيراناً فجأة لصدق الأمر، أما أن يرى صديقه الحميم اليهودي الصالح داود يكشر عن أنياب الغدر، وتنقلب سحنته الطيبة فجأة إلى سحنة شيطان شرير، ثم يقترب منه يريد أن يفترسه، فهذا أمر لا يمكن تصديقه، تمتم البادري (ماذا جرى ولِمَ؟) لم يجب داود بشيء. نظر البادري حواليه سائلاً الرجال: (هل تصيبه هذه اللوثة من آن لآخر.. لم أكن أعرف).
وفي لحظات.. كان البادري مغلّلاً بالحبال، لا يستطيع الحركة.. وبدأ يشعر بآلام الحبال تحزّ في جسده الرقيق، وهمس في دهشة وقد شحب وجهه: (أنتم أيضاً تشاركون داود فيما يفعل؟؟) ونفض البادري رأسه، وفتح عينيه جيداً وهتف في استغراب:
- (هل أنا في حلم أم في يقظة؟ أيها الرجال الطيبون ماذا تنوون أن تفعلوا بي؟).
قال الحاخام سلانيكلي ساخراً:
- (أنت مقدم للمحاكمة).
- (لكنكم تمزحون مزاحاً ثقيلاً لا يليق بكم ولا يليق بي).
- (زعمت أنك تطمع في تحويلنا عن ديانتنا إلى المسيحية، أتقر بذلك؟).
قال البادري وأمارات الألم ترتسم على وجهه وفي عينيه:
- (نحن لا نسوق الناس سوقاً إلى بابه وحرية الاختيار للجميع، وصاحب كل دين، أيّ دين، يدعو الناس للهداية بطريقته السلمية.. هكذا أمرنا السيد المسيح).
وضحك الرجال في هيستيرية وقال داود:
- (حسناً، إن ديننا يأمرنا بأن نسفك دمك، أترانا نطيعه أم نخالفه؟؟).
قال البادري وقد دقّ قلبه بعنف:
- (إنك تمزح يا داود!).
أخرج الحاخام سلانيكلي كتاباً صغيراً من جيبه ثم قال:
- (إذن فلنقرأ كلمات التلمود عن الفطير المقدس المعجون بدم مسيحي.. لنقرأ معاً..).
وأخذ الحاخام يقرأ بضعة سطور، وعيون البادري تروح وتجيء، والدموع تبلل أهدابه، ولحيته ترتجف، وتمتم:
- (أيها الرجال.. أنتم تلعبون لعبة خطرة، وتفتحون الطريق لفتنة كبرى.. لقد سمعت شيئاً عن ذلك التقليد السيء، لكني لم أكن أصدقه.. ليست هذه كلمات التوراة، لقد دسّها عليكم بعض الحاخامات الجهلة حقداً على بني البشر، وانحرافاً بالديانة عن مجراها الصحيح، انظروا في الأمر جيداً.. أنا لم أسئ إلى أحد منكم.. تدبروا.. إن القتل جريمة بشعة لا يقرها عرف ولا دين ولا قانون).
قال الحاخام موسى أبو العافية:
- (لسنا في حاجة لأن تعلمنا أمور ديننا.. إن سفك الدم هو تذكار لما
أمر الله بني إسرائيل بأن يلطخوا أبواب بيوتهم بدم الحمل المذبوح في عيد الفصح عندما كانوا تحت عبودية فرعون).
هتف البادري قائلاً:
- (لكن أيها الأخ المعظم، التوراة نزلت قبل أن يأتي المسيح، وعبودية فرعون لكم قديمة، فكيف يأتي في الديانة شيء يمس المسيحيين قبل أن يوجدوا؟؟ إن أي عاقل متبصر يستطيع أن يتبين فساد ذلك..).
تدخل الحاخام سلانيكلي قائلاً:
- (أسباب سفك الدم عندنا ثلاثة.. أولها كراهيتنا للمسيحيين الذين هم بمثابة حيوانات أو وثنيين كفرة مستباح قتلهم، وثانيها أنه قربة إلى الله، وثالثها أن للدم المسيحي فعلاً سحرياً في بعض الأمور السرية..).
وعند المقطع الأخير تنبه داود، تذكر عجزه الفاضح أمام زوجه الجميلة (كاميليا)، وتذكر أن الفطير المعجون بدم المسيحي يرد إليه شبابه الضائع، وحيويته الغاربة، قد يُدخل على حياته فوائد جمة تحقق له السعادة في الدنيا والآخرة، قال داود ساخراً:
- (اغفر لي يا أبتاه..).
- (وكيف أغفر لغادر يتجنى على الله؟؟).
- (من عادتنا يا أبتاه أن نبكي على خراب أورشليم.. ولابد أن ندهن الجبهة من جهة الصدغين برماد الكتان المنقوع في دم مسيحي..).


خالد النبهان
Admin

عدد المساهمات : 115
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 29/12/2009

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى