القادمون من المريخ
بقلوب ملؤها المحبة وأفئدة تنبض بالمودة
وكلمات تبحث عن روح الاخوة
نقول لك أهلا وسهلا زائرنا الكريم
اهلا بك بقلوبنا قبل حروفنا بكل سعادة وبكل عزة

ندعوك للتسجيل اذا احببت الانضمام لاسرتنا والمشاركة معنا
ولا تبخل علينا بمشاركاتك
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
» رام الله - وطن للأنباء - يوسف الشايب
الإثنين 5 نوفمبر - 22:34 من طرف فايز سليمان

» هذا البيان لاثبات من يقوم بقصف اليرموك
الإثنين 5 نوفمبر - 22:32 من طرف فايز سليمان

» رفضًا لتصريحات محمود عبّاس
الأحد 4 نوفمبر - 12:13 من طرف سالي

» من قام بحادث رفح
الجمعة 2 نوفمبر - 0:06 من طرف فايز سليمان

» الجزء الثاني
الخميس 1 نوفمبر - 15:50 من طرف فايز سليمان

» هل تتذكرون
الخميس 1 نوفمبر - 15:36 من طرف فايز سليمان

» الفرقان الحق ( بدلاً عن القرأن )
الخميس 1 نوفمبر - 15:34 من طرف فايز سليمان

» خواني واخواتي
الخميس 1 نوفمبر - 15:31 من طرف فايز سليمان

» نقلا عن الأسبوع المصرية
الخميس 1 نوفمبر - 15:29 من طرف فايز سليمان

التبادل الاعلاني
احداث منتدى مجاني
تصويت

كم طلقة في مسدس الموساد .. منقول

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

كم طلقة في مسدس الموساد .. منقول

مُساهمة من طرف فايز سليمان في السبت 29 يناير - 22:48

كم طلقة في مسدس الموساد .. منقول
بقلم اسامة العيسة
الرأس
بعد 19 عاماً من انطلاق حرب غولدا مئير غير المقدسة ، بذريعة ميونخ ، قتل صلاح خلف (أبو إياد) المسؤول الأمني الفلسطيني الأول ، و الرأس الأولى في منظمة أيلول الأسود و عملية ميونخ ، على حين غرة كما يقولون ، مع قياديين آخرين هامين أيضاً هما هايل عبد الحميد (أبو الهول) عضو اللجنة المركزية لفتح و من مسئولي الأمن و فخري العمري (أبو محمد) و هو مسؤول أمني ، و كلاهما له علاقة بميونخ و هما مساعدا أبو إياد القريبان منه ، في عملية واحدة استهدفت الثلاثة ، و لم يكن الموساد (يحلم) بها : عملية تتم بهذه السهولة و اليسر و في توقيت لا يمكن أن يكون مناسباً أكثر من غيره .
كان صلاح خلف مع ياسر عرفات و خليل الوزير (أبو جهاد) ، أهم قادة حركة فتح و كان يصنّف بأنه الرجل الثاني بعد عرفات و أحياناً الثالث بعد عرفات و أبو جهاد ، و لكنه بعد اغتيال أبو جهاد أصبح بلا شك الرجل القوي الثاني بعد عرفات .
و كان أبو إياد معروفاً على الأقل بالنسبة للصهاينة بمسئوليته المباشرة عن عملية ميونخ ، التي أطلقت وفقاً للمزاعم الصهيونية حملة الاغتيالات الطويلة تلك ، و ترؤسه لمنظمة أيلول الأسود ، التي تشكّلت بعد الحرب الأهلية في الأردن و التي عرفت باسم أيلول الأسود (أيلول 1970) ، و التي يوصفها كثير من الفلسطينيين بأنها المجازر التي ارتكبها النظام الهاشمي في الأردن ضد الفدائيين ، و التي انتهت في تموز 1971 بعد جمع ما تبقّى من الفدائيين ، وفقاً لاتفاقيات مع الحكومة الأردنية لم تلتزم بها بعد حين ، في أحراش جرش و عجلون ، و انتهت تلك المذابح بمحاصرة عجلون و جرش و قتل و تشريد و جرح و اعتقال نحو ثلاثة آلاف فدائي فلسطيني و على رأسهم قائدهم أبو علي إياد ، الذي اكتسب سمع طيبة جداً وسط الفدائيين و أجيال أخرى متتالية باعتباره زعيماً لا يساوم .
و قبل قتل أبو علي إياد الذي كان عضواً في اللجنة المركزية لحركة فتح استطاع أن يرسل رسالة لرفاقه ، يقول البعض إن فيها كثيراً من اللوم و الغضب و الوعيد ، باعتبار أنه ترك وحيداً في كمين بين أنياب رجال البادية ، و لكن يتفق الجميع على ما قاله بعد تلك الرسالة التي بثها لزملائه في القيادة عبر جهاز إرسال قام بتحطيمه بعد إنهاء الرسالة ليواجه و رجاله مصيرهم وحيدين
و الجملة التي قالها أبو علي إياد (.. نموت واقفين و لن نركع) ، و هو ما حدث بالفعل ، و ردّدت كثيراً من قبل أجيال متتالية من الفدائيين الفلسطينيين ، و إلى اليوم تذكر هذه العبارة كلما ذكر الشهيد أبو علي إياد .
بعد مذابح جرش و عجلون التي تلكأ العرب في وقفها عمداً ، و عندما تدخّلوا كان كل شيء قد انتهى ، و في أجواء ما بعد المذابح تأسست منظمة أيلول الأسود في خريف 1971 ، للقيام بنوع جديد من العمليات التي يطلق عليها الكثيرون إرهابية ، و حاول أبو إياد إعطاءها نوعاً من المحتوى السياسي .
و في كتابه (فلسطيني بلا هوية) الذي أملاه على الصحافي الفرنسي المستعرب أريك رولو يتحدث أبو إياد عن أولى عمليات أيلول الأسود في تشرين الثاني 1971 ، و التي كانت اغتيال وصفي التل رئيس الوزراء الأردني العتيد ، الذي حملته الفصائل الفدائية مسؤولية عن المجازر التي ارتكبت ضد أفرادها في عمان و جرش و عجلون .
في يوم 28/تشرين الثاني/1971 ، كان وصفي التل محاطاً بحراسه و مرافقيه يدخل فندق شيراتون في القاهرة ، لحضور اجتماع مجلس الدفاع العربي المشترك ، عندما اغتاله رجال أيلول الأسود ، في عملية قال أبو داود فيما بعد إن المسؤول عن التخطيط لها هو أبو يوسف النجار .
و يصر أبو إياد على التفريق بين ما يسميه العنف الثوري و الإرهاب و الاغتيال السياسي ، معتبراً أن منظمة أيلول الأسود (لم تكن منظمة إرهابية مطلقاً بل تصرّفت دائماً كرديف ملحق بالمقاومة في الحين الذي لم يكن بوسع هذه الأخيرة فيه ، أن تضطلع بمهماتها العسكرية و السياسية كاملة) .
و يشير أبو إياد ، و هو لا يريد بالطبع أن يكشف في ذلك الكتاب كلّ ما يعرفه عن أيلول الأسود ، أو عن دوره المباشر في قيادتها ، إلى أن أعضاء أيلول الأسود كانوا يؤكّدون دائماً و أبداً (أنه ليست لهم أية صلة عضوية بفتح أو بمنظمة التحرير الفلسطينية ، و قد عرفت عدداً منهم ، و أستطيع أن أؤكد أنهم ينتمون في غالبيتهم إلى مختلف المنظمات الفدائية ، و بالنظر إلى أنهم خرجوا من صفوف هذه المنظمات فإنهم كانوا يترجمون ترجمة صادقة مشاعر الإحباط و السخط إزاء مذابح الأردن و إزاء التواطؤات التي مكّنت من تنفيذ هذه المذابح) .
و ليس كل ما قاله أبو إياد هنا صحيحاً ، خصوصاً من جهة نفي علاقة فتح بأيلول الأسود ، و كما سبق الإشارة فإن وقت صدور الكتاب (1978م) لم يكن ملائماً ، من وجهة نظر أبو إياد على الأغلب ، لنشر كل المعلومات التي هو خير من يعرفها باعتباره المسؤول عن أيلول الأسود ، و يمكن تفسير إشارته إلى تعدّد انتماءات أفراد أيلول الأسود ، إلى أن أيلول الأسود ، كانت تتكوّن من مجموعات مختلفة عنقودية التنظيم إذا جاز التعبير ، و بالنسبة لعملية اغتيال وصفي التل التي دشّنت منظمة أيلول الأسود ، فإن المسؤول عنها ، حسب شهادة أبو داود التي عرضنا لها في جزء سابق ، فإنه أبو يوسف النجار .
و مما يدلّ على ما ذهبنا إليه فإن أبو داود يشير إلى أن النجار لم يكن له علاقة بأيلول الأسود و أنه فقط أصدر بياناً باسم أيلول الأسود تتبنى عملية اغتيال وصفي التل ، و يمكن تفسير كلام أبو داود على أن منظمة أيلول الأسود كانت تضمّ عدة مجموعات ليس من الضروري أن تكون بينها رابطة تنظيمية .
المهم أن اغتيال وصفي التل المدوّي ، كان أول إعلان عن منظمة أيلول الأسود ، و التي ستكون عملية ميونخ ، العملية المدوية الأخيرة لها .. ! و بكثير من الحذر عرض أبو إياد لروايته لعملية ميونخ ، باعتباره كما قال استجوب (مطوّلاً الناجين الثلاثة من المجموعة) ، و تحرزاً أمام الأمانة التاريخية التي ستقف في يومٍ ما أمام الرواية الكاملة لعملية ميونخ فإن أبو إياد يشير إلى أن سرده للوقائع ، استناداً لاستجوابه للثلاثة ، محكوم بالقدر (الذي تسمح به القواعد الأمنية ، من تفصيل) .
و يمكن هنا الإشارة إلى ظروف إملائه لمذكراته لأريك رولو ، فرولو الصحافي الفرنسي الكفؤ الذي تربطه علاقات واسعة و متعددة و مع مختلف الطبقات و الأجيال في العالم العربي ، حضر إلى بيروت ليعدّ كتاباً عن ياسر عرفات لصالح إحدى دور النشر العالمية و لكن عرفات امتنع ، فبعد مشاورات مع جهة النشر تم الاتفاق مع أبو إياد الذي وافق بشرط أن لا يعلم ياسر عرفات عن تلك الجلسات التي كانت تتم في مناطق في بيروت و في ظروف الحروب الصغيرة و الكبيرة التي كان مسرحها لبنان ، و ينطلق فيها أبو إياد في الحديث و لكن كما يتبين من وراء سطور الكتاب أنه كان حذراً .. !
و بالطبع تتقاطع رواية أبو إياد (الناقصة) مع رواية أبو داود (الكاملة) لما حدث ، مع كثير من التمويه ، فمثلاً في حين تحدّث أبو داود ، على أن أبو إياد نفسه قام بإدخال الأسلحة إلى ألمانيا لتنفيذ العملية ، فإن أبو إياد يتحدّث ، لاعتبارات مفهومة بظروف زمن صدور الكتاب ، إلى قيام شخص و زوجته بإدخال الأسلحة .
و هناك تفاصيل يذكرها أبو إياد عن العملية و كيفية تنفيذها ، تبدو بعد رواية أبو داود ، بأن الكثير فيها كان غير صحيح و ربما للتمويه .
وهناك تفاصيل أخرى ذكرها أبو إياد تبين مدى علاقته الوثيقة بالعملية ، خصوصاً بقائدي المجموعتين الأول الذي يسميه عمر مصالحة ، و أبو داود أسماه محمد مصالحة ، و الثاني شي غيفارا .
عن مصالحة قال أبو إياد ، إنه كان غادر مسقط رأسه في حيفا و هو طفل ، و ينتمي لأسرة من الفلاحين الفقراء ، و هو حاصل على شهادة في الجيولوجيا ، و عمل في حركة فتح كمفوّض سياسي ، و كان يجيد اللغة الألمانية .
و قال عن تشي غيفارا ، إنه مثل مصالحة متمرس بالأعمال الفدائية و هو حاصل على شهادة الحقوق من فرنسا . و يروى أنه في مرحلة الإعداد الأولى للعملية تم اختيار خمسين شاباً تتراوح أعمارهم ما بين 17 و عشرين عاماً ، ليتلقوا تدريبات مكثفة و جميعهم من مخيمات اللاجئين في لبنان و سوريا و الأردن ، و كانوا يجهلون المهمة التي ربما ستوكل إليهم ، و لكنهم يتمتعون بحماس كبير للمشاركة في أيّ عمل فدائي ، و هنا يروي بأنه تم استبعاد أحد الفدائيين اليافعين لأنه سبق أن استشهد له اثنان من الإخوة في عمليات سابقة ، و لكن هذا الفدائي اليافع احتج و بكى و هدّد بالانتحار إذا لم يشارك في العملية ، و هو ما حدث فعلاً و سقط شهيداً فيها .
و يتطرّق أبو إياد إلى عناد غولدا مئير رئيسة وزراء الكيان الصهيوني بشأن الاستجابة لمطالب الفدائيين بإطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين من سجون الاحتلال .
و يقول أبو إياد إن (عناد السيدة غولدا مئير رئيسة الحكومة "الإسرائيلية" في تلك الأثناء غير طبيعي تماماً ، من حيث إنها لم تظهر أية إرادة في إنقاذ حياة الرهائن ، أما المغاوير الذين كانت التعليمات الصادرة إليهم توصيهم بألا يقتلوا أسراهم ، فإنهم راحوا يمدّدون فترة الإنذار ساعة بعد أخرى ، على أمل أن تقدّم لهم صيغة تسوية ما) .
و يشير إلى أن الخاطفين كانوا يعلمون بأنهم لا يمكنهم الحصول على تلبية كامل مطالبهم و إطلاق سراح المائتي أسير فلسطيني في سجون الاحتلال ، و أنهم كانوا مستعدين عملياً لمبادلة رهائنهم بخمسين أو عشرين أو حتى بتسعة معتقلين ، و أن أملهم خاب عندما لم يقدّم لهم المفاوضون الألمان و الصهاينة إلا مبلغاً محدداً من المال (شيك على بياض) مقابل إطلاق سراح الرهائن و السماح لهم بالخروج سالمين .
و يكرّر فكرة أن الخاطفين قاموا بقتل أنفسهم مع المخطوفين ، رغم علمه بخطئها كما قال أبو داود ، و يذكر كيف أن قائدي المجموعة مصالحة و تشي سقطا برصاص القناصة الألمان و حين سقطا في بركة من الدماء زحفا نحو بعضيهما و تصافحا قبل أن يلفظا أنفاسهما الأخيرة .
و يؤكّد خطأ بأن (الفدائيين اللذين كانا يرافقان الرياضيين "الإسرائيليين" واحداً في كل طائرة ، لم يعمدا إلى قتل رهائنهما و الانتحار معهم ، إلا بعد أن لاحظا أنه لم يبقَ لديهما ما يأملانه ، أما الأعضاء الثلاثة الباقون ، فإنهم جرِحوا فسلّموا أنفسهم) .
و ينبّه أبو إياد إلى أن تضحيات (أبطال ميونخ ، لم تذهب هدراً ، فإذا كانوا لم يتوصّلوا كما يأملون إلى تحرير رفاقهم السجناء في "إسرائيل" ، إلا أنهم بلغوا الهدفين الآخرين المرسومين للعملية : فقد اطلع الرأي العام العالمي على المأساة الفلسطينية بفضل دويّ الألعاب الأولمبية ، كما فرض الشعب الفلسطيني حضوره على هذا التجمع الدولي الذي كان يسعى لاستبعاده ، أما الخاتمة – المجزرة فتتحمّل حكومتا جمهورية ألمانيا الاتحادية و حكومة "إسرائيل" خاصة ، المسؤولية الراسخة الجسيمة فيها) .
من خلال رواية أبو إياد في كتابه الذي أملاه على أريك رولو ، الصحافي الفرنسي العليم ببواطن الأمور في العالم العربي ، حاول كما قلنا نفي صلته بعملية ميونخ ، و كان يذكر الأفعال التي عرفنا أنه صاحبها هو منسوبة إلى مصادر قال إنها أخبرته بها و عمد كذلك إلى التمويه ، و حتى عندما ذكر توقيف السلطات الفرنسية لأبي داود بحجة ميونخ فإنه نفى ضلوع أبو داود فيها ، و لكن الصهاينة كانوا يعرفون حقيقة دوره في العملية .
و يذكر هو إشارة غائمة في كتابه ، في معرض حديثه عن الاغتيالات التي شنّتها "إسرائيل" بعد ميونخ ، ذات دلالة (.. و لا ريب في أن "الإسرائيليين" لم يتراجعوا عن مشروعهم القاضي بتصفية قادة الفدائيين لاعتقادهم أنهم يستطيعون بذلك تدمير الحركة الوطنية الفلسطينية ، و لا ريب في أنني أظلّ أحد أهدافهم الأولية ، فطوال سنوات ، غذت المخابرات "الإسرائيلية" ، و شريكاتها الأردنية و الأميركية ، حملة صحافية تهدف إلى إظهاري ليس كرئيس أيلول الأسود و حسب ، و إنما كمدبّر عددٍ من العمليات الإرهابية ، مع أن عدة منظمات أخرى ادعت القيام بها) ..
و تحدث أبو إياد عن عدة محاولات لاغتياله جرت في بيروت و دمشق ، و روى تفاصيل محاولة وصفها بأنها كانت (أكثر جدية) و أوشكت أن تكلّفه حياته و حياة أفراد عائلته في آب 1973م .
و المحاولة كما يرويها أبو إياد تشبه الأفلام البوليسية إلى حدّ ما ، ففي أحد الأيام و عندما كان أبو إياد في القاهرة حيث تقيم عائلته أبلغ أن أحد الشباب يريد أن يراه لأمر هام و بأن لديه معلومات هامة ، و عندما قابله الشاب القادم من الضفة الغربية كما قدّم نفسه ، قال له إنه مكلف من المخابرات "الإسرائيلية" بقتله و فتح حافظة صغيرة كانت معه و قدّم لأبي إياد مسدساً كاتماً للصوت ، كان من المفترض أن ينفذ به العملية ، و قال إنه عندما وصل الأردن قادماً من الضفة ، و السفر لمصر لتنفيذ المهمة الموكلة إليه ، أوقفته المخابرات الأردنية و حقّقت معه و بعد أن عرفوا مهمته وعده ضابط الاستخبارات الأردني فالح الرفاعي و الذي كان موكلاً بملف حركة فتح في جهاز المخابرات الأردنية بمكافأة إضافية إذا نجحت محاولته لقتل أبو إياد .
و أشار الشاب الذي قرّر الاعتراف لأبي إياد ، إلى أن "إسرائيل" و الأردن لديهما مخطّطاً تفصيلياً عن مكان إقامة أبو إياد ، و بأن جهازي المخابرات في البلدين زوّداه بمعلومات دقيقة عن العاملين مع أبي إياد و عن تنقلاته و تحركاته . و غادر الشاب بعد أن ترك لأبي إياد اسمه و عنوانه في فندق اللوتس و مسدسه .
و أبلغ أبو إياد دوائر الأمن المصرية بما حدث و التي فتّشت عن الشاب في فندق اللوتس فتبين أنه نزل هناك باسم غير الاسم الذي أعطاه لأبي إياد ، و عندما فتش رجال الأمن غرفته عثروا على حقيبة مغلقة بالمفتاح لم يستطيعوا أن يعرفوا ما بداخلها .
و بعد تلك الزيارة التي قام بها الشاب لأبي إياد بثلاثة أيام ، أيقظه أحد الحراس في الساعة السابعة صباحاً ليبلغه أن ذلك الشاب حضر و يريد مقابلته ، و عندما استقبله أبو إياد رأى بأنه يحمل في يده حقيبة صغيرة لها نفس المواصفات التي تحدّث عنها رجال الأمن المصريين عندما فتشوا تلك الغرفة في الفندق ، فطلب أبو إياد من الشاب أن يفتح تلك الحقيبة و لكنه ارتبك و تلعثم ثم انهار ، و اعترف بأن الحقيبة تحتوي على عبوة ناسفة تكفي لنسف المنزل بما فيه و أنه مكلّف بوضعها تحت أي مقعد قبل أن يغادر المنزل ، و اعترف بأن زيارته الأولى كانت تهدف لكسب ثقة أبو إياد ، و تم تسليمه للأمن المصري و وضع في أحد السجون .
و بمناسبة صدور كتابه عن عملية ميونخ ، و الذي أثار جدلاً أكّد أبو داود في مقابلة أجرتها معه صحيفة الخليج الإماراتية معرفة "إسرائيل" بدور أبو إياد في عملية ميونخ ، و نقل عن أبو إياد إخباره له لقاءه في باريس في إحدى المرات مع شخص يهودي في منزل إبراهيم الصوص ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في فرنسا ، و بعد تكرار لقائه مع هذا اليهودي الذي لاحظ أن لأبي إياد وجه طفولي و شعر بأنه ودود و لطيف و سأل أبو إياد إذا كان لا يمانع من مقابلة آرييل شارون ؟ فأجابه أبو إياد بالإيجاب و بأنه لا مانع لديه من لقائه ، و بعد تلقيه ذلك الجواب أخبر اليهودي أبا إياد بأنه تربطه علاقة بشارون ، و أنه يمكن أن ينقل له عدم ممانعة أبو إياد بلقائه ، و هو ما حدث ، و روى اليهودي لأبي إياد بأن شارون عندما علم بعرض اللقاء مع أبي إياد انتفض غاضباً و قال عن أبي إياد بأنه قاتل و أخبر الوسيط بعلاقة أبو إياد و أبو داود و آخرين بعملية ميونخ و غيرها .
و من المؤكد بأن أبو إياد ، بسبب ميونخ ، و غيرها كان من ضمن قائمة الاغتيال "الإسرائيلية" و هو ما تحقّق في ظروف مريبة و غريبة و صادمة . ففي الرابع عشر من كانون الثاني 1991 ، و العالم كله محبوس الأنفاس ، مشدود الأنظار إلى الخليج العربي ، حيث تستعد ما عرفت باسم دول التحالف لتوجيه ضربة للعراق على إثر دخوله الكويت ، كان أبو إياد في منزل مساعده هايل عبد الحميد (أبو الهول) في تونس و معه مساعد آخر هو فخري العمري (أبو محمد) ، و ربما كانوا مثل الآخرين يتابعون ، و بحكم مناصبهم الأمنية أيضاً ، ما يجري في الخليج لحظة بلحظة .
و لأنهم كانوا، ثلاثتهم ، يتوقّعون أي محاولة لاغتيالهم ستأتي من الخارج ، لم يخطر ببالهم أن أحد حراسهم كان يكيد لهم ، و ينتظر الفرصة أو الأمر .
و في أثناء وجودهم في إحدى الغرف يتقدّم الحارس حمزة أبو زيد و يطلب من زوجة أبو الهول كأساً من الماء ليشربه ، فتشير إليه بأن يدخل إلى المطبخ ليأخذ حاجته ، و تقول له إن الثلاجة لا تعمل ، و يتطوّع لإصلاحها ، و في المطبخ يجهّز سلاحه استعداداً لما هو مقبل عليه ، و يدخل غرفة القادة الثلاثة ، و لأنه كان يعرف مهمته جيداً أطلق النار على رأس أبو إياد أولاً ثم نحو فخري العمري و يقتله و يحاول أبو الهول ، الذي استوعب المفاجأة أن يردّ عليه ، و لكن أبو زيد يعاجله برصاصة تصيبه في مقتل ، و في حين توفي أبو إياد و العمري فوراً توفي أبو الهول لاحقاً في المستشفى .
و من سوء حظ أبو إياد و رفاقه أن توقيت العملية الذي أبهج ، و لا شك ، المتربصين بهم ، كان سيئاً بدرجة كبيرة بالنسبة للطرف الفلسطيني ، لأن الجميع كان مشغولاً بما سيحدث في الخليج ، و تم التحقيق مع أبو زيد الذي أعدم لاحقاً ، و نشر أنه من أتباع صبري البنا (أبو نضال) ، الذي يقود جماعة منشقة عن حركة فتح .
و في الواقع فإن معلومات كثيرة بقيت ناقصة و لم تستوفَ ، فيما نشر و قيل في حادث اغتيال ما وصف أنه العقل الأمني للثورة الفلسطينية و كذلك الإثنين الذين قضوا معه ، و إجمالاً فإن اغتيال أبو إياد و رفيقيه يسجّل إنجازاً للجهة التي وقفت وراء اغتياله ، فهو في النهاية وصولٌ لمسؤول جهاز المخابرات الفلسطينية الأول و مساعديه الرئيسين .
و على كلّ فإن أجيالاً جديدة من الفلسطينيين ترفع صور أبو إياد في المناسبات باعتباره أحد الشهداء الذين تمكّنت "إسرائيل" من اغتيالهم ، و لا توجد جهة أكثر من "إسرائيل" في رأينا لها مصلحة في تغيّبه عن الوجود ، خصوصاً و أن لها معه ثأراً ميونخ .
و لا يمكن إغفال التوقيت الذي تمت فيه العملية و الذي جاء و المنطقة بأسرها تدخل صفحة جديدة مأساوية من تاريخها و كان أبو إياد نفسه قبل اغتياله حاول أن يقوم بدور الوساطة في تلك الأزمة و قابل الرئيس العراقي صدام حسين ، و كان متشائماً جداً و سمعه الكثيرون و هو يتحدث من خلال إذاعة مونت كارلو (الله وحده يعلم بالمصيبة التي ستحل بالأمة العربية ، كم أنا متشائم من هذا الليل المظلم الزاحف نحونا) .
و لم يكن اغتيال أبو إياد في ذلك اليوم (المكفهر) في حياة المنطقة العربية و منطقة الشرق الأوسط ، حيث بدأت ليلاً عملية (عاصفة الصحراء) هو الرصاصة الأخيرة في مسدس "إسرائيل" اتجاه الشخصيات الفلسطينية القيادية الذي أشهرته بحجة مينوخ ، و إن كانت من أقواها رغم أنها لم تحتَج لكثير جهد ، ميّزت عملياتها الأخرى ، و هذه مفارقة من المفارقات في زمن عربي مليء بالمفارقات .

طلقة غولدا الأخيرة
و إذا كان هناك اختلاف في الاجتهادات في النظر لعملية اغتيال أبو إياد و رفيقيه أبو الهول و أبو محمد ، فإن المؤكد الذي لا خلاف عليه لدى الجميع ، هو الإدراك لمدى الفراغ الذي تركه رحيلهم المفاجئ على أجهزة الأمن الفلسطينية .
و مع غياب أبو إياد و رفيقيه ، استلم مسؤولية الأمن الفلسطيني كوادر من تلامذة أبو إياد من بينهم عاطف بسيسو الذي يعتقد بأنه واحدٌ من ثلاثة حلّوا محل أبو إياد في قيادة الجهاز الأمني التابع لمنظمة فتح .
و تولى بسيسو ، مسؤولية العلاقات مع أجهزة الاستخبارات الأوربية و من بينها الفرنسية و متابعة شبكات من المتعاونين في العواصم المختلفة و أيضاً أنيطت به مسؤولية تأمين أمن مسئولي منظمة التحرير .
و في يوم 8/6/1992 ، كان عاطف بسيسو الذي وصل فجأة للعاصمة الفرنسية باريس للالتقاء مع مسؤولين من المخابرات الفرنسية ، عائداً مع صديقين لبنانيين إلى فندق المريديان مونفرانس في شارع كومندينت موشوط ، في العاصمة باريس ، عندما اقترب منه رجلان و أطلقا النار عليه من مسدسات مزوّدة بكواتم للصوت و جمعا فوارغ الرصاصات و غابا عن الأنظار .
و يعتبر هذا الفندق فألاً سيئاً على الشخصيات العربية المهدّدة بالاغتيال ، ففي 13/6/1980 ، تم اغتيال الدكتور يحيى المشد في إحدى غرف الفندق ، و المشد كما هو معروف كان مسؤولاً في المشروع الذري العراقي و كان في فرنسا في تلك الفترة لأسباب تتعلق بنشاطه ذاك ، و لكن بسيسو ، لم يأخذ ذلك على ما يبدو على محمل الجد ، رغم معلومات استخبارية كانت تتناثر في العاصمة الفرنسية عن تحول فندق المريديان ذاك إلى ساحة للنشاط الاستخباري .
و كان الصحافي المصري عادل حمودة في كتابه عن اغتيال الدكتور المشد قدّم صورة (مريبة) لهذا الفندق ، الذي قال عنه ، إن الشرقيين يفضّلونه (و قد نقلوا إلى إدارته الكثير من العيوب ، مثل البقشيش الذي يصل حدّ الرشوة ، و الخطأ المتعمّد في فواتير الحساب و الإهمال الذي لا يختلف كثيراً عن المؤامرة) .
و عن نزلائه كتب عادل حمودة أنهم (خليط من الأثرياء و الدبلوماسيين و التجار و الصحافيين و رجال الأعمال و نجوم السينما ، و كل شيء فيه مباح .. متاح .. حتى اللغة العربية ، فعندما تبرز النقود ، يتنازل الفرنسيون عن غطرستهم الشهيرة ، و يتحدثون لغة الشيطان) .
و أضاف و هو يجمع معلومات عن مسرح الجريمة التي قتل فيه المشد ، و فيما بعد عاطف بسيسو (و يعمل بعض العرب في أماكن الفندق الحساسة ، الحجز ، خدمة الغرف ، البار ، و الملهى الليلي الذي لا يخلو برنامجه من الرقص و الغناء الشرقي ، و الاستعراض و الاستربتيز الغربي) .
و أيضاً تتساهل إدارة الفندق مع العاهرات (و تسمح لهن بالوجود في الممرات و الكافتيريا و البار و الغرف دون خوفٍ إذا كن يعملن تحت إشرافها ، كما أن عاملة التليفون لا تتردد في خدمة النزلاء بإحضار عاهرات بالتلفون من شركات الرقيق الأبيض و الأسود ، المتخصصة في التوصيل من الباب إلى الباب ، و لمزيد من السرية فإن الغرف مبطنة بعازل و كاتم للصوت ، أي أنها غرف مناسبة للخطيئة و الجريمة معاً) .
و لأن بسيسو ، كما تبيّن فيما بعد حضر على وجه السرعة إلى باريس و لم يكن ضمن خطته المعلنة في رحلته أن يزورها ، فإنه لم يحجز في الفندق الذي اعتاد أن ينزل فيه مسئولو منظمة التحرير و هو فندق الميرديان بورت ، أو ربما حجز في الفندق (المشبوه) الذي قتِل على أعتابه إمعاناً في التمويه .
و يمكن القول إن اغتيال بسيسو شكّل ، على الأقل مفاجأة ، إن لم نقل صدمة لرفاقه ، فالرئيس عرفات و القيادة الفلسطينية كانت تخوض مفاوضات مع (إسرائيل) ضمن الترتيبات التي أفرزتها حرب الخليج الثانية و مؤتمر مدريد ، و فتح صفحة جديدة في العلاقات بين الفلسطينيين و (إسرائيل) .
و تردّدت أنباء صحافية أن تنظيم صبري البنا (أبو نضال) المنشق عن حركة فتح ، أعلن مسئوليته عن مقتل عاطف بسيسو ، و هذا أعاد للأذهان قضية اغتيال أبو إياد و رفيقيه على يد الحارس الذي قيل إنه ينتمي لتنظيم أبو نضال ، و ها هو أبو نضال يعود من جديد و يقتل أحد مساعدي أبو إياد ، و لكن تنظيم أبو نضال عاد و نفى مسئوليته عن الحادث ، بينما الرئيس عرفات الذي كان منهمكاً في العلاقة الجديدة مع (إسرائيل) ، اعتبر مقتل بسيسو ضربة لعملية السلام و اتهم (إسرائيل) صراحة بالوقوف وراء حادث الاغتيال .
و أمام أصابع الاتهام التي وجهت لـ (إسرائيل) ، نفى اللواء أوري ساغي رئيس شعبة الاستخبارات الصهيونية ، أية علاقة لـ (إسرائيل) في الحادث و أنه لا يعرف من قام بعملية الاغتيال ، و لم يصدّقه أحد .. !
و أضاف ساغي للصحافيين ، أن بسيسو مسؤولٌ عن قتل الرياضيين (الإسرائيليين) في ميونخ و عن المحاولات الفاشلة لضرب طائرة العال في روما عام 1978 .
و بقيت أصابع الاتهام متجهة نحو (إسرائيل) ، لعدة أسباب منها ضلوع عاطف بسيسو ، بحكم عمله مع أبو إياد ، في عملية ميونخ ، و هي التي نفّذت سلسة العمليات الكثيرة بحجة ميونخ ، و أضيف إلى ذلك سبب جديد ، هو بمثابة رسالة إلى المخابرات الفرنسية (دي.أس.تيه) بأن الموساد غير راضٍ عن علاقتها مع المخابرات الفلسطينية .
و مثلما يحدث في مرات كثيرة ، غابت قضية عاطف بسيسو ، عن اهتمامات الرأي العام الفلسطيني ، و لكن هناك من كان حادث الاغتيال يعنيه بصورة مباشرة مثل زوجته ديما ، و محاميها فرانسوا جيبو ، و القاضي جان لوي بروغيير ، الذي كلّف بالتحقيق في ملف اغتيال عاطف بسيسو في قلب العاصمة الفرنسية ، و معرفة الجهة التي تقف وراء حادث الاغتيال .
و بعد مرور سبع سنوات ، و في شهر آذار 1999م قدّم القاضي الفرنسي تقريره عن الحادث اتهم فيه (الموساد) "الإسرائيلي" بالوقوف وراء قتل بسيسو ، و أنه استعان بذلك بالجاسوس عدنان ياسين لتنفيذ عملية اغتيال بسيسو الذي كان على علاقة مع الاستخبارات الفرنسية .
و عدنان ياسين ربما يكون أشهر جاسوس يتم اكتشافه كان يعمل في منظمة التحرير عقب انتقالها من بيروت إلى تونس ، و كان مسؤولاً عن ترتيبات السفر في المنظمة و بحكم علاقاته كان يدخل إلى مكاتب كبار المسؤولين بسهولة و يسر ، و بفضل تعاونه مع (إسرائيل) كانت المخابرات (الإسرائيلية) تتطلع على كثير مما يدور في المكاتب الفلسطينية ، و خلال جولات المفاوضات الفلسطينية – (الإسرائيلية) التي سبقت توقيع اتفاق أوسلو ، كان المفاوضون الفلسطينيون يصابون بالذهول عندما يدركون بأن الطرف الآخر لديه معلومات كافية عما سيطرحونه و ما سيناورن عليه و خطط التفاوض التي عادة ما كانت توضع في مكتب محمود عباس (أبو مازن) .
و مع نشر تقرير القاضي الفرنسي ، ارتفعت أصوات في (إسرائيل) تحذّر من نشوب أزمة دبلوماسية بين (إسرائيل) و فرنسا على خلفية هذا الاتهام ، و في حين رفض أفيف بوشينسكي المستشار الإعلامي لرئيس الحكومة الصهيوني التعليق على التقرير الفرنسي ، فإن مصادر في ديوان رئيس الحكومة الصهيوني نقلت إلى صحيفة هآرتس العبرية (21/3/1999) مخاوفها الكبيرة من أن يؤدّي تطوّر القضية إلى أزمة في العلاقات الاستخبارية و الدبلوماسية بين (إسرائيل) و فرنسا .
و أشارت هذه المصادر التي لم تسمّها صحيفة هآرتس العبرية إلى أن قضية بسيسو قد تتحوّل إلى شبه ما حدث في قضية اغتيال رسام الكاريكاتير الفلسطيني الشهير ناجي العلي الذي اغتيل في حزيران 1997 ، و في حينها وجّهت أجهزة الأمن البريطانية اتهامات لـ (إسرائيل) بدعوى أن (الخلية التي انتمى لها القتلة كانت مخترقة من قبل عملاء الموساد) ، و بأنه كان يجب على الموساد إبلاغ المخابرات البريطانية بذلك ، و أعلنت بريطانيا عن أسماء عددٍ من رجال الموساد كأشخاص غير مرغوب فيهم في بريطانيا ، و حسب هآرتس فإن حادث اغتيال العلي تسبّب في ضرر فادح للعلاقات الاستخبارية بين بريطانيا و (إسرائيل) .
إذن كان الموساد في قضية بسيسو في وضع مشابه لما حدث معه في قضية ناجي العلي مع الفارق أن الغضب الفرنسي كان أكبر ، لأن بسيسو ، وفقاً لكل الاعتبارات كان ضيفاً على الـ (دي.أس.تيه) .
و كانت الأوساط الفلسطينية و العربية المعنية غائبة .. ! عن ما يحدث و لم (تستغل) الاتهام الفرنسي العلني لـ (إسرائيل) بمقتل رجل الأمن الفلسطيني لتثير قضية الإرهاب (الإسرائيلي) المستمر و الذي لا يتوقّف في ظلّ الحرب أو في ظلّ السلام ، حتى لو كان سلاماً وفق المعايير (الإسرائيلية) .
و لا بد هنا من الإشادة بجهد القاضي بروغير الفرنسي ، و مهنيته ، فهذا الرجل أخذ المسألة ، كما اتضح بشكلٍ جدي ، و ليس كما كانت تفعل الأجهزة المشابهة في الدول الغربية الأخرى عندما يتعلق الأمر بالإرهاب (الإسرائيلي) على أراضيها .
علم بورغيير بأن ثلاثة أشخاص فقط علموا بنية عاطف بسيسو التوجه إلى فرنسا خلال جولته الأوروبية ، و هؤلاء هم : زوجته ديما ، و أحد المسؤولين في المنظمة و عدنان ياسين ، و بعد التحقيق ، اشتبه القاضي الفرنسي بعدنان ياسين أنه وفّر المعلومات عن تحرّكات بسيسو للموساد (الإسرائيلي) .
و توجّه القاضي إلى منظمة التحرير الفلسطينية ، في مطلع عام 1993 ، مطالباً بتفاصيل المكالمات التي كان يجريها عدنان ياسين ، من مقر المنظمة في تونس في اليوم الذي سبق حادث الاغتيال ، و حسب مزاعم صحيفة هآرتس العبرية فإن المنظمة لم تستجب ، و لكن هذا القاضي المقدام الذي لا يكلّ و لا يملّ كما يقال ، وجد طريقة للوصول إلى هدفه ، و يعتقد أن المخابرات الفرنسية ساعدته بوضع يده على المكالمات التي كان يتركها عدنان ياسين في (آنسر مشين) الهواتف التي يتحدّث إليها في فرنسا و إيطاليا ، و بعد تحليل هذه الرسائل تأكّد الفرنسيون من علاقة عدنان ياسين بالموساد .
و هنا لا بدّ من التساؤل لماذا لم تتعاون منظمة التحرير مع القاضي الفرنسي ؟ و لماذا تم (السكوت) على عدنان ياسين نحو عشرة أشهر ، حيث تم اعتقاله في 25/10/1993 ، مع أنه كان من الواضح و من الطلب الفرنسي الرسمي بالاطلاع على مكالمات ياسين بأن هناك على الأقل شيئاً ما ضد الرجل من مخابرات قوية و (صديقة) هي المخابرات الفرنسية و في قضية تتعلق في النهاية بأحد قادة الأمن الفلسطيني : عاطف بسيسو .
و تكرّر موقف منظمة التحرير (السلبي) فيما بعد عندما طلب القاضي الفرنسي الاستماع إلى إفادة عدنان ياسين الذي أعلن أنه معتقل في أحد السجون التونسية ، و جاء الرد الفلسطيني ، بأن ياسين اختفى في العام 1996 ، بعد انتقال منظمة التحرير من تونس إلى غزة .
و قد لا يكون الرد الفلسطيني هذا صحيحاً ، لأن الأنباء الصحافية تحدّثت عن أن عدنان ياسين أعدِم بعد اكتشافه على ظهر سفينة في المياه الدولية ، و أنباء أخرى تحدّثت عن وجوده معتقلاً في اليمن أو في تونس .
المهم أن ما بدا في ربيع عام 1999 بداية لأزمة بين فرنسا و (إسرائيل) ، بعد انتهاء التحقيق في القضية و اتهام (إسرائيل) بالمسؤولية عن الاغتيال بمساعدة جاسوسها عدنان ياسين الذي أبلغ الموساد بتفاصيل وجود عاطف بسيسو في باريس ، أخذ في التراجع ، و ربما كانت الأسباب كثيرة و متنوعة و لكن لا يمكن هنا إبراء الجهات المسؤولة و المعنية العربية و الفلسطينية ، من مهمة المتابعة و الاستمرار و الضغط على الجانبين الفرنسي الذي كان متحمّساً لإدانة (إسرائيل) و (الإسرائيلي) الذي كان يدخل مع الفلسطينيين ، و العرب في حلقات مفرغة مسجلاً أهدافاً في ملعبهم و هم فرحون .. !
و لا بد من التوقف هنا عند ما أثير من قضية الجاسوس عدنان ياسين ، و التي أخذت مجالاً واسعاً في التداول ، فوفقاً لمعظم المصادر فإن ياسين الذي كان يتولى مسؤوليات استصدار أذونات السفر لكوادر المنظمة في تونس ، كان يعالج زوجته المريضة في فرنسا ، على حساب المنظمة ، و أنه كان يسافر كثيراً هناك لهذه الغاية ، و رغم أن مصادر فلسطينية قالت إنه لم يعانِ من مشاكل مادية لعلاج زوجته ، فإن مصادر أخرى أفادت أن المخابرات الصهيونية استطاعت النفاذ إليه من هذا الباب .
و قيل إن أول لقاء تم بين ياسين و ممثل عن الموساد كان في شهر آذار 1989 ، في باحة نفس الفندق الذي قتِل على أعتابه بعد ذلك التاريخ بأكثر من ثلاث سنوات عاطف بسيسو ، و هو الفندق (المشبوه) بعاهراته و إدارته و العاملين به و الكثير من رواده .. !
و قيل إن عدنان ياسين تجنّد على يد ضابط الموساد المدعو (حلمي) الذي (التقط) عدنان ياسين في ذلك الفندق ، و عرض عليه الدخول في مشاريع تجارية مشتركة ، و فيما بعد تولى الضابط (جورج) العلاقة مع ياسين .
و كان وقوع ياسين في الفخ ، نصراً مهماً للموساد ، لأن ياسين بحكم علاقاته و تدخّلاته جعل قيادة المنظمة مكشوفة للجانب الآخر . و مما تم الكشف عنه ، مثلاً ، أن عدنان ياسين الذي زوّده الموساد بأجهزة تجسّس حديثة جداً ، حصل من الموساد على مصباح فاخر للقراءة ، و على كرسي طبي متطوّر و جهاز فاكس صغير الحجم ، و تم وضع أجهزة تنصت في هذه الأجهزة ، و تشتغل هذه الأجهزة بمجرد الجلوس على الكرسي ، بفضل جهاز حساس للحرارة وضع في الكرسي ، و تستطيع هذه الأجهزة العمل ثماني ساعات دون تغيير البطارية .
و شحن ياسين هذه الحاجيات في سيارة رينو من فرنسا إلى تونس ، و لأنه أيضاً من مسؤولياته ، ترتيب إدخال الأثاث للكوادر الفلسطينية ، فبدا عادياً أن يقوم بتقديم هذا (الأثاث) إلى محمود عباس (أبو مازن) ، و استقرت أدوات التجسس هذه في مكتب أبو مازن ، و فيما بعد عرف السر ، الذي كان يحيّر رجال أبو مازن ، الذين كانوا يتفاوضون هناك بعيداً في أوسلو ، مع (الإسرائيليين) ، و بدوا أمامهم مكشوفي الظهر تماماً ، فقد كان (الإسرائيليون) يعرفون تماماً ما سيعرَض عليهم و حدود التكتيك الفلسطيني و المدى الذي يمكن أن يتنازل عنه الفلسطينيون .
و فيما بعد تحدّثت أوساط صهيونية أن القيادة (الإسرائيلية) شعرت أن ذلك (العري) الفلسطيني في المفاوضات السرية في أوسلو ، بدأ يعكر أجواء المفاوضات التاريخية بين الفلسطينيين و (الإسرائيليين) ، و أن الوفد الفلسطيني يشعر بمهانة كبيرة وهو يواجه الوفد (الإسرائيلي) المدعّم بالخبرات و المعلومات ، عارياً ، و لم يكن يعرف أحد أن سبب كل ذلك ، الكرسي الفاخر و الأدوات الملحقة الجميلة التي أعجبت قائد المفاوضات أبو مازن ، فسمح لعدنان ياسين بوضعها في مكتبه .
و بعد التحقيق مع ياسين الذي لم يكشف عنه الكثير ، فإن المعلومات المؤكدة كانت تتعلق بأن الموساد زوّده بأجهزة تنصت متطوّرة جداً ، و بعضها مثل الذي زرع في مكتب أبو مازن يمكن أن يعمل لخمس سنوات دون تغييره .
و بالطبع لم يقتصر دور ياسين على ذلك ، فأشارت التقارير التي نشرت بعد اعتقاله إلى تعاون ابنه هاني الذي يملك كراجاً للسيارات في العاصمة التونسية ، و كان يتم وضع أجهزة تنصت في السيارات التابعة للمنظمة و لرجالها التي تذهب للتصليح في كراج هاني .
و يبدو أن المخابرات الفرنسية أرادت أن تقدّم خدمة لمنظمة التحرير ضمن التعاون الاستخباري أو حتى .. ربما (تكفيراً) عن الإخفاق في حماية (ضيفها) عاطف بسيسو و الذي وصله رجال الموساد و قتلوه على أرضها ، أو أرادت أن تردّ صفعة الاغتيال إلى وجه الموساد ، و دبت الحرارة في الخطوط الساخنة الفرنسية و التونسية و الفلسطينية ، و قبل اعتقاله أخضع لرقابة مشدّدة و تم ضبط سيارة رينو 25 أرسلت إلى عدنان ياسين من ألمانيا ، فاعترضتها الجمارك التونسية ، و تم تفتيش السيارة و اكتشاف أجهزة تنصت دقيقة فيها ، و تم القبض على ياسين الذي وصف بأنه أخطر جاسوس لـ (إسرائيل) في منظمة التحرير ، و لكن ربما كان ياسين الذي قدّم معلومات وافرة لـ (إسرائيل) في منعطف تاريخي في العلاقات بين (إسرائيل) و المنظمة ، من الجواسيس المهمين الذين تم كشفهم ، و لكنه ربما لم يكن أخطرهم ، ففي عالمٍ مثل الجاسوسية لا يعترف بسهولة بأفعال التفضيل .
و لابد من الإشارة هنا إلى أن الأجواء التي كانت تشهدها العاصمة التونسية عشية القبض على ياسين و الكشف عن اعترافاته ، كانت تعج بالمفارقات ، ففي حين يتم إلقاء القبض على ما وصف بأنه (أبر) جاسوس لـ (إسرائيل) في منظمة التحرير ، كان الصحافيون الصهاينة المستعربون ، وثيقي الصلة بالاستخبارات (الإسرائيلية) ، يحجّون بشكلٍ شبه يومي إلى تونس و ينزلون في ضيافة منظمة التحرير ، و يستقبلهم كبار المسؤولين هناك ، و يدلون لهم بأحاديث صحافية عديدة و لمختلف وسائل الإعلام الصهيونية و من بينها التلفزيون العبري .
كانت الوفود الصهيونية تحجّ إلى تونس قبل ذلك و لكنها تكثّفت قبل و أثناء و بعد الإعلان عن اتفاق أوسلو ، و في حين أن (إسرائيل) بالكشف عن الجاسوس ياسين ، كانت تؤكّد بأنها ما زالت ترى في الفلسطينيين أعداء لا يؤتمنون مهما قدّموا من تنازلات ، كان القادة الفلسطينيون يستقبلون ممثلي أحد أذرع الدولة العبرية الهامة : الإعلاميون ، و كتبت في حينه تحقيقاً موسعاً ، عن تلك الظاهرة في الأراضي المحتلة و تونس ، و أسميتها (ظاهرة يوني) نسبة إلى يوني بن مناحيم مراسل التلفزيون العبري العليم ببواطن الأمور في الأراضي المحتلة ، و في تلك الفترة في تونس أيضاً ، و الذي كان مصدراً إخبارياً مهماً بما يجري في الساحة الفلسطينية في الداخل و في الخارج في تونس ، تصب عنده المعلومات الهامة و يتطوع المسؤولون الفلسطينيون للاتصال به و إمداده بالمعلومات ، و مثلما كان يصول و يجول في الأراضي المحتلة ، انتقل يوني بن مناحيم بكاميرته إلى تونس و أصبح يصول و يجول فيها أيضاً ، و يبث التقارير من هناك و أحياناً بشكلٍ مباشر ، و مرة بث تقريراً مباشراً من العاصمة التونسية عن وصول نايف حواتمة زعيم الجبهة الديمقراطية المعارض لأوسلو إلى تونس سراً و قال إن حواتمة قال له إذا كشفت عن زيارتي فسأنفي ذلك فوراً .. !
و قدّم و هو في تونس تقارير ، عرف فيها بالرموز التي ستلعب أدواراً في المرحلة المقبلة : مرحلة السلطة الفلسطينية مثل حسن عصفور و جبريل الرجوب و ياسر عبد ربه و غيرهم .
و خلال التحقيق الذي أجريته تبين أن كل الصحافيين الصحافيين المختصين بالشؤون العربية كانت لهم علاقات معلنة مع أجهزة الدولة العبرية و مع أجهزة الاحتلال في الضفة الغربية و قطاع غزة .
و يوني بن مناحيم الذي كان أبرزهم و أكثرهم ديناميكية ، هو أحد الذين شاركوا في عملية الليطاني في آذار 1978 في جنوب لبنان و يعمل محاضراً في مدرسة عسكرية صهيونية في مستوطنة مقامة على رأس مدينة بيت جالا ، و قابلت مناحيم على مدخل مقر الحاج إسماعيل جبر قائد القوات الفلسطينية في الضفة الغربية لدى دخوله أريحا ضمن اتفاق (غزة و أريحا أولاً) و عاتبني على التقرير الذي نشرته عن (ظاهرة يوني) مؤكّداً على تطوّع المسؤولين الفلسطينيين بالاتصال به و مدّه بالأخبار و المعلومات .
و أيضاً من رموز ظاهرة يوني (روني شكيد) الذي عمل في جهاز الشاباك الصهيوني و كان يحقّق مع المعتقلين الفلسطينيين في معتقل المسكوبية بالقدس ، و هذا المعتقل بالذات هو (مسلخ بشري) بكلّ ما تعنيه الكلمة من معنى كما خبِره كاتب هذه السطور أكثر من مرة .
و حتى الذي عرفوا بيساريتهم من الصحافيين الصهاينة الذين عمِلوا في الشؤون الفلسطينية و العربية فكانت لهم علاقات مع أذرع الاحتلال المختلفة ، فمثلاً يهودا ليطاني كان ناطقاً بلسان الجيش الصهيوني المحتل للضفة الغربية و قطاع غزة ، و يوسي تورفشتاين عمل مستشاراً لحاكم بيت لحم العسكري ، و بنحاس عنبري كان مسؤولاً عن دائرة الإحصاءات في الضفة الغربية التي تتبع الحكم العسكري .
و من جانب آخر كانت تصريحات المسؤولين الفلسطينيين الذي أصبحوا مفتوحي الأذرع للصحافيين الصهاينة ، يأخذونهم بالأحضان ، كما لو كانوا ينتظرون هذه الفرصة على أحرّ من الشوق ، غير موفقة فيما يطرحونه ، في معظم الحالات ، و مثلاً فإن حكم بلعاوي سفير منظمة التحرير في تونس و عضو اللجنة المركزية في فتح و المسؤول الأمني الكبير ، و الذي بحكم مسؤولياته الأمنية ، يتحمّل التقصير في عدم كشف عدنان ياسين ، توعّد على شاشة التلفزيون
اقراء الباقي في اول رد

فايز سليمان
Admin

عدد المساهمات : 446
السٌّمعَة : 1
تاريخ التسجيل : 20/11/2009
العمر : 65

http://almrikheon.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كم طلقة في مسدس الموساد .. منقول

مُساهمة من طرف فايز سليمان في السبت 29 يناير - 22:49

تكملة المقال
العبري بلجم المعارضين للاتفاقيات الموقّعة بين الجانبين الفلسطيني و (الإسرائيلي) ، و قال إنه جرى تعاون مع (إسرائيل) بهذا الشأن و خاطب يوني بن مناحيم قائلاً : "بإمكانك التأكد مما أقوله من المسؤولين عندكم" ...! .
و كان هناك من رأى فيما يقوله بلعاوي استفزازاً ، خصوصاً و أن معلومات تناثرت حول علاقته الوثيقة مع عدنان ياسين و أن الأخير هو نائبه كسفير للمنظمة في تونس ، و هو ما نفاه بلعاوي قائلاً إن ياسين مجرّد موظف صغير لديه ، و لكن يبدو أن ذلك و ربما غيره ، أر على دوره ، فعندما عاد إلى فلسطين ضمن ترتيبات اتفاق أوسلو ، لم يعد له دور يناسب وضعه السابق (كرجل تونس القوي) الذي كانت تتقاطع لديه كل الخطوط ، و في فيلته الفخمة التي يقيم بها في تونس العاصمة ترسم سياسات المنظمة الكبيرة و الصغيرة .
و للأسف لم يكن بلعاوي وحده الذي يوجّه سهامه للمعارضة ، فإن (الطرف الآخر) و هي التسمية التي تم إطلاقها على (إسرائيل) من قبل المسؤولين الفلسطينيين بعد اتفاق أوسلو ، كان مستمراً في سياسته و مصالحه كما يراها ، أو الأصح أنه كان مصمّماً على الاستمرار فيها : الاغتيالات للمعارضة ، بعد أن أيقن أن الثوار القدامى اتخذوا ليس قراراً بالتقاعد فقط بل إنهه مستعدون لأبعد من ذلك : لجم معارضي السلام (الإسرائيلي) .. ! .
و كان أول ضحاياها ، في عصر "السلام الإسرائيلي" : الشهيد هاني عابد .
كانت منظمة التحرير تتغير بسرعة، وبقيت إسرائيل لا تتغير..!
و إذا كان اغتيال عاطف بسيسو (8/6/1992) آخر طلقة من بندقية ميونخ ، و التي أمرت بإطلاقها غولدا مئير التي كانت شبعت موتاً في قبرها ، فإن اغتيال هاني عابد (2/11/1994) ، شكّل استمراراً لسياسة (إسرائيل) التي لا تتغير ، و التي ازدادت دموية مع كل تنازل جديد كانت تقدّمه القيادة الفلسطينية .. !
و لكن لا أحد يريد أن يتّعظ ..!


الفصل الثالث
الكف و المخرز
الأول
في أثناء البدء بتطبيق اتفاقيات الحكم الذاتي ، سمحت (إسرائيل) لرجالٍ من منظمة التحرير متهمون بالمشاركة بتدبير عملية ميونخ و التي قتل فيها عشر من الرياضيين الصهاينة ، بالدخول إلى فلسطين ، و بدا حينها للمراقبين بأن (إسرائيل) تخلّت عن سياستها بالإعدام و الاغتيال ، إلا أن حادثاً وقع في تلك الفترة له دلالته نسف تلك الفرضية .
ففي الساعة الثالثة من عصر يوم 2/11/1994 خرج هاني عابد أحد مسئولي الجهاد الإسلامي ، الذي كان يدير مكتب أبرار للصحافة بغزة ، ذو العلاقة بحركة الجهاد الإسلامي ، و يعمل محاضراً في كلية العلوم و التكنولوجيا بخانيونس من الكلية ، بعد انتهاء عمله ، و ركب سيارته من نوع (بيجو 104) و عندما أدار محرّكها انفجرت السيارة و سقط هاني عابد شهيداً ، و الذي اتهمته (إسرائيل) بتدبير عملية عسكرية استهدفت جنديين صهيونيين قرب حاجز بيت حانون (أبرز) في العشرين من أيار 1993 . و وصفته صحيفة هآرتس العبرية بعد اغتياله بأنه رئيس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي في قطاع غزة .
و فور اغتياله ، اتهمت الفصائل الفلسطينية (إسرائيل) بتدبير الاغتيال ، و في صيف 1997 قال الوزير في السلطة الفلسطينية فريح أبو مدين أثناء ردّه على منتقدين للسلطة ، في اجتماع مفتوح في قاعة الاتحاد النسائي العربي في مدينة بيت لحم ، إنه أعطى مسدسه الشخصي للشهيد عابد و حذّره من الاغتيال ، و ربما عنى ذلك أن السلطة كانت لديها معلومات حول المستهدفين من قبل (إسرائيل) .
و عابد ، المولود في عام 1960م في غزة لأسرة فلسطينية بسيطة و متدينة ، واحد من جيل فلسطيني خطا خطواته الأولى مع الاحتلال لباقي الأراضي الفلسطينية عام 1967م ، و كان مقدّراً لهاني أن يشهد اعتقال والده عام 1971م على يد الاحتلال بتهمة مقاومة الاحتلال ، و سيتذكر فيما بعد دائماً ، الزيارات التي كان يقوم بها مع والدته لوالده في السجن .
و في عام 1980م التحق بالجامعة الإسلامية بغزة ، و هناك اقترب من مجموعة طلابية صغيرة ، في ذاك الوقت ، بخلاف الأطر الطلابية الوطنية و القومية و اليسارية المتعددة ، كان اتجاهها إسلامياً .
و حسب سيرة شبه رسمية ، فإن عابد ، خلال اقترابه من هذه المجموعة فإنه (عرف أن فلسطين و الإسلام توأمان لا ينفصلان ، و أن مرحلة جديدة سوف يحمل فيها أبناء الإسلام راية الدفاع عن فلسطين آتية لا محالة) .
و في تلك الأثناء التقى مع الدكتور فتحي الشقاقي ، المثقف الفلسطيني العضوي ، نادر المثال ، الذي أسس حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين ، تلك الحركة ، التي كان مقدّراً لها أن تلعب دوراً بارزاً بجانب فصائل الحركة الوطنية الفلسطينية الأخرى .
و بعد تخرّجه من الجامعة عام 1984م من كلية العلوم قسم الكيمياء ، أكمل دراسته للماجستير في جامعة النجاح الوطنية عام 1988م ، و كان التيار الإسلامي في الحركة الطلابية في تلك الجامعة يتعاظم دوره .
و اعتقل عابد ، لأول مرة عام 1991م ، و أمضى ستة أشهر في معتقل النقب الصحراوي ، و بعد خروجه تولى مسؤولية الجماعة الإسلامية ، و هي الإطار الطلابي السياسي العلني لحركة الجهاد الإسلامي في الجامعات الفلسطينية ، و فيما بعد أصبح مسؤولاً إعلامياً في حركة الجهاد الإسلامي من خلال تأسيسه لجريدة الاستقلال في قطاع غزة و لمكتب أبرار للصحافة .
و بعد قيام السلطة الفلسطينية أصبح هاني عابد ، أول معتقل سياسي لدى السلطة ، بعد قيام مجموعة عسكرية تابعة للجهاد الإسلامي بتنفيذ عملية عسكرية شمال قطاع غزة أسفرت عن مقتل ثلاثة من جنود الاحتلال ، و اتهام (إسرائيل) لهاني عابد بالتخطيط للعملية .
و كان هذا الاعتقال مرحلة هامة في حياته و في مسيرة الحركة الوطنية الفلسطينية ، و كانت بداية لخلافات من نوع جديد بين فرقاء الحركة الوطنية و الإسلامية الفلسطينية ، فالسلطة الفلسطينية كانت محكومة باتفاقيات و رؤى ، و تحاول فرض تصوّرها للعلاقة مع (إسرائيل) على الآخرين ، في حين كانت فصائل أخرى ، و من بينها الجهاد الإسلامي الذي ينتمي إليها عابد ، ترى أن من حقّها الاستمرار في النضال و القيام بعمليات ضد الاحتلال ، الذي أعاد تموضع قواته في الأراضي الفلسطينية بعد اتفاق أوسلو الذي أفرز السلطة الفلسطينية ، و لم ينسحب منها .
و شكّل الاعتقال ما يشبه (الصدمة) لأوساط في الرأي العام الفلسطيني لم يكن بمقدورها هضم مسألة أن تقوم السلطة الفلسطينية باعتقال أحد (لأسباب وطنية) .
و يمكن استشفاف ذلك من البيان الذي أصدرته حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين في اليوم التالي للاعتقال (القدس/ 27/5/1994م)
و تميز البيان بقسوة نسبية اتجاه السلطة (لقد أقدمت أجهزة الأمن الفلسطينية في غزة و التي يترأسها المدعو أمين الهندي على اعتقال الأخ هاني عابد ، أحد الشخصيات و الفعاليات الإسلامية البارزة و المعروفة في مدينة غزة ، حيث اختطفته من مقر عمله ، و أودعته سجن غزة المركزي و هكذا تفتتح أجهزة القمع الصهيونية التي يفترض أنها غادرت غزة قبل أقل من أسبوعين و لكن يبدو أنها تركت وكلاءها و مندوبيها لإكمال الدور الصهيوني و لأجل الحفاظ على أمن الكيان الصهيوني) .
و يمضي البيان غاضباً مستهجناً رابطاً بين سلطة الاحتلال و السلطة الفلسطينية الجديدة (ليعلم أمين الهندي و غيره من الزبانية الجدد أنهم برغم مديح و ثناء إسحاق رابين عليهم بأنهم يقومون بدورهم على أكمل وجه ، فإنهم ارتكبوا عملاً خطيراً و غبياً عندما اختطفوا الأخ هاني عابد ، فالذين قاوموا الاحتلال و الإرهاب الصهيوني ببسالة شهدها و شهد لها العالم لن ينكسروا أمام أي إرهاب جديد) .
و رأت مصادر في الجهاد الإسلامي في حينه ، أن اعتقال هاني عابد بمثابة (رهينة سياسية حتى نوقف عملياتنا الجهادية) كما قال الأمين العام للحركة الشهيد فتحي الشقاقي في تصريح نشرته صحيفة الحياة اللندنية (5/6/1994م) .
و أشار الشقاقي في تصريحه ذاك ، إلى أنه أجرى اتصالات غير مباشرة مع الرئيس عرفات و قيادة منظمة التحرير لإطلاق سراح هاني عابد ، و بأنه أبلغ تلك القيادة و عرفات ، بشكلٍ غير مباشر أيضاً ، أن أي اعتقال (لإخواننا سيصعّد من العمل العسكري ضد الاحتلال كي نبرهن لهم بأنه لا يمكن ابتزازنا عن طريق اعتقال أحد إخواننا في الحركة ، و أنه طالما بقي عابد معتقلاً ، فسنصعّد العمل العسكري ، و لن يكون استمرار إيقاف عابد سبباً لإيقاف العمل العسكري) .
و بالمناسبة اعتبر الشقاقي أن العمليات التي نفّذها الجناح العسكري للجهاد المعروف باسم (قسم) ، كشفت بأن (الانسحاب "الإسرائيلي" من غزة لم يكن حقيقياً ، و السيادة "الإسرائيلية" لا زالت موجودة و أن مرجعية الإدارة الفلسطينية هي "إسرائيل") .
و خرج هاني عابد ، أول معتقل سياسي فلسطيني لدى السلطة الفلسطينية ، من السجن ، و في حين كانت سلطات الاحتلال فشلت باعتقاله قبل إعادة تموضع قوات الاحتلال في قطاع غزة بنحو أسبوع ، بعد أن حاصرت منزله في حي الغفري بمدينة غزة ، و لكنه كان قرّر عدم تسليم نفسه لهم ، فإنها نجحت باغتياله ، بعد أن أنهى عمله في كلية العلوم و التكنولوجيا ، و ركب سيارته متوجّها لعمله الإعلامي ، و ما إن أدار المحرك حتى انفجرت به السيارة و خرّ شهيداً ، ليكون أول شهيد يتم اغتياله في المرحلة التي أطلق عليها مرحلة السلام ، مثلما كان أول معتقل سياسي فيها .
و رغم أن (إسرائيل) التزمت الصمت حول حادث الاغتيال ، و لكن هناك لدى متهمي (إسرائيل) بتدبير الاغتيال مبررات لاتهامهم خصوصاً و أن الاغتيال جاء بعد تهديدات أطلقها إسحاق رابين ، رئيس وزراء (إسرائيل) وقتذاك ، باتخاذ إجراءات ضد نشطاء حماس و الجهاد الإسلامي بعد عملية تل أبيب الاستشهادية في حينه ، على نحو ذكّر بما فعله بن غوريون في الخمسينات و غولدا مائير في السبعينات .
و بتاريخ 23/10/1994 أكّدت صحيفة (الأوبزيرفر) البريطانية ، أن رابين أعطى أوامره بملاحقة قادة فلسطينيين .
و في مقال افتتاحي بعد اغتيال عابد كتب صحيفة هآرتس العبرية بعنوان (الثواب و العقاب) مذكرة بسلسلة الاغتيالات التي نفّذتها "إسرائيل" بعد عملية ميونخ .
و اعترفت هآرتس أن عمليات الانتقام "الإسرائيلية" قد تخطيء هدفها أحياناً (و هو أمر مؤسف) حسب الصحيفة ، و لكنها قالت بوضوح ، و هي تتخلى عن رصانتها ، (إذا كان هاني عابد قد تورّط في عمليات قتل فإنه لا يستحق اعتذاراً ، بل لقي العقاب الذي يستحقه) .
و ربطت معظم الصحف الصهيونية ، التي خصّصت مساحات واسعة لتغطية حادث اغتيال عابد ، بين تهديدات رابين و حادث الاغتيال . و هو ما يؤكّد مسؤولية "إسرائيل" عن اغتيال عابد بعملية إعدام غير قضائي كما تسمّي ذلك منظمات حقوق الإنسان ، و أن "إسرائيل" مستمرة به حتى أثناء (العملية السلمية) و هو ما أكّده الواقع بعد ذلك .
و بعد حادث الاغتيال ، قال الدكتور الشقاقي إن الموساد وضع هاني عابد على رأس قائمة التصفيات بناء على قرار رابين ، و تنفيذاً لتهديداته ضد حماس و الجهاد الإسلامي .
و أضاف الشقاقي ، في حديث لصحيفة العرب (10/11/1994م) أن قادة "إسرائيل" يدّعون أن (هاني عابد مسؤول عسكري في الجهاد الإسلامي ، و كان مسؤولاً عن مقتل عددٍ من الجنود الصهاينة ، و نحن نؤكّد أن هاني كان من نشطاء الجهاد الإسلامي بالفعل ، و لكنه كان سياسياً ، إضافة لكونه أستاذاً جامعياً و صحافياً ، و عندما فشلوا في معرفة القادة العسكريين قاموا بتصفية هدف سياسي سهل) .
و ردّاً على سؤال للصحيفة إذا كانت حركة الجهاد تتهم السلطة الفلسطينية بالتعاون في قتل هاني عابد ، أجاب الدكتور الشقاقي (لا نتهم السلطة بمحاولة القتل ، و لكن السلطة تغض النظر عن عملاء الموساد الصهيوني الذين يحملون ضمانات بعدم التعرض لهم ، بل إن عملاء الموساد يخترقون هذه السلطة بقوة و في مستويات عديدة و هامة و من المفروض أن تتحمّل السلطة مسؤولية حماية المواطنين أو تعلن عن عجزها لتقوم القوى المجاهدة بهذه المسؤولية) .
و مثلما يحدث عادة ، فإن الصهاينة ينسون أنهم لا يستطيعون وحدهم رسم معادلة (الثواب و العقاب) حسب تعبير صحيفة هآرتس ، فبعد أيام قليلة من اغتيال عابد ، و في حين كان أصدقاؤه و مناصرو القوى الوطنية و الإسلامية يحضرون حفلاً لتأبينه في غزة (11/11/1994م) ، انطلق أحد تلامذة الشهيد عابد و اسمه هشام حمد ، راكباً دراجته الهوائية ، متمنطقاً بالمتفجرات ، في عملية استشهادية ، مقتحماً تجمعاً عسكرياً قرب مستوطنة نتساريم ، ففجّر نفسه فيها ، انتقاماً لهاني عابد ، فقتل خمسة من جنود الاحتلال ، و أصاب عشرة آخرين ، حسب مصادر صهيونية .
و أعلنت حركة الجهاد أن تلك العملية هي واحدة من سلسلة عمليات جهادية انتقاماً لعابد ، و هو ما حدث بالفعل ، خلال الأشهر التالية ، في عمليات كان لها صدى كبير ، مثل العملية التي فجّر فيها الشهيد خالد الخطيب سيارة كان يقودها في حافلة عسكرية ، في مستوطنة كفار داروم ، أسفرت عن قتل عشرة جنود يوم (9/4/1995م) ، و العملية الكبرى في بيت ليد التي نفّذها الشهيدان : صلاح شاكر و أنور سكر ، و فيما بعد اعتبرت "إسرائيل" هذه العمليات و غيرها مبرراً لقتل زعيم الجهاد الإسلامي فتحي الشقاقي .
عندما استشهد هاني عابد ، كان أربعة من البنين و البنات ، و كانت زوجته حاملاً ، ولدت بعد استشهاده بنتاً ، أسموها (قسم) تماهياً مع اسم الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي ، و التي خرج منها استشهاديون ، كانوا مع غيرهم من الاستشهاديين ، أنبل ظاهرة ، في عصر الانحطاط العربي .

محمود الخواجا
و إذا كان هناك اختلاف في تقدير وضع الشهيد هاني عابد، العسكري كما قالت إسرائيل، والسياسي والإعلامي كما قالت حركة الجهاد الإسلامي، فإن "إسرائيل" تمكّنت من الوصول ، في حادث اغتيال مدوٍ أيضاً ، في زمن السلام ، لرجل لا اختلاف على هويته العسكرية ، بل استقر وصفه فيما بعد بأنه قائد الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي (قسم) و بهذه الصفة ما زالت الحركة و مناصروها يحيون سنوياً ذكرى استشهاد محمود عرفات الخواجا الذي قضى في يوم 22/6/1995م ، في عملية جريئة نفذتها أجهزة المخابرات الصهيونية أمام منزل الخواجا في مخيم الشاطئ بقطاع غزة .
و يبدو أن حادث اغتيال هاني عابد وسط الأراضي التي تسيطر عليها السلطة الفلسطينية لم يعطِ مؤشرات كافية للخواجا ، بأن هذه الأراضي غير مأمونة أمنياً ، خاصة لمطلوب كبير لسلطات الاحتلال مثله ، فاستشهد ليصبح لدى رفاقه أنموذجاً و رمزاً .
و تتشابه سيرة الخواجا ، مع سيرة هاني عابد ، فكلاهما من جيل واحد ، فالخواجا ولد عام 1960م ، لوالدين لاجئين من قرية حمامة المدمرة ، و نشأ في مخيم الشاطئ ، أمام الأفق الذي تحمله أمواج البحر الأبيض المتوسط ، و شهد احتلال ما تبقّى لأرض فلسطين عام 1967م و لم يتجاوز السابعة من عمره ، و شهد استشهاد عمه على أيدي جنود الاحتلال ، و تزامن التحاقه بالجامعة الإسلامية مع ظهور الدكتور فتحي الشقاقي و مشروعه الإسلامي الجهادي في قطاع غزة ، فالتحق بالحركة الجديدة و ترأس قائمة حركة الجهاد الإسلامي الطلابية لانتخابات مجلس الطلبة في الجامعة ، و تعرّض للاعتقال أكثر من مرة لنشاطه السياسي الإسلامي ، و اعتقل لمدة أربع سنوات بتهمة تتعلق بتحضير السلاح و المتفجرات ، و اعتقل معه في نفس القضية والده لمدة ستة أشهر .
و بعد خروجه من المعتقل بعد انتهاء محكوميته اعتقل أيضاً لمدة ستة أشهر إدارياً ، أي بدون محاكمة ، و بعد استلام السلطة الفلسطينية لزمام الأمور في قطاع غزة اعتقل مرتين في سجون السلطة ، ضمن الحملات التي نفّذتها السلطة بين الوقت و الآخر ضد الذين لهم نشاط مقاوم ضد الاحتلال ، و هي الاعتقالات التي كانت تثير خلافاً كبيراً في أوساط الرأي العام الفلسطيني ، و تركت أثراً سلبياً .
لا تتوفر معلومات دقيقة عن نشاط الخواجا العسكري ، و لكن بعض أدبيات حركة الجهاد الإسلامي تشير إلى نشاطه في الجناح العسكري (قسم) و الذي أصبح فيما بعد يعرف بأنه قائده ، بدأ قبل عامين من استشهاده ، و يشار إلى أنه من مؤسسيه ، و خلال هذين العامين ، هزّت عمليات هذا الجهاز العمق الصهيوني بسلسلة عمليات استشهادية مدوية ، أهمها العملية التي نفّذها الشهيدان من حركة الجهاد في بيت ليد و أسقطت عشرات القتلى و الجرحى ، و أدرك الخواجا أن حكماً بالإعدام صدر عليه من الصهاينة ، و هو ما تم تنفيذه من ثلاثة ملثمين حسب شهود عيان كمنوا له في سيارة بيجو 404 و عندما أدركوه أطلقوا عليه العيارات الكاتمة للصوت ، ليسقط شهيداً ، بينما تم الاحتفال في مكتبٍ ما في مكان ما بين ضباط المخابرات الصهيونية بنجاح قتل قائد (قسم) .
كان الخواجا ، و وفق متطلبات دوره الجديد ، في (قسم) قد ابتعد عن النشاط العلني لحركة الجهاد الإسلامي ، حتى أن رفاقاً له اعتقدوا بأنه لم يعد له علاقة بحركة الجهاد الإسلامي ، و لكن (إسرائيل) كما تبين فيما بعد لم تغفل عن نشاطه .
و بعد ستة أعوام من استشهاده ، دوّت في مخيم الشاطئ مسقط رأس الشهيد مفاجأة غير متوقعة ، عندما اعتقل جهاز الأمن الوقائي الفلسطيني ، و بعد أشهر من انتفاضة الأقصى ، عميلاً من سكان المخيم رمز له بالحرفين (م.ش) ، و هو من أقرباء و جيران الشهيد الخواجا لضلوعه في حادث الاغتيال .
و المفاجأة أن العميل المذكور لم يكن معروفاً بأية ارتباطات مع الاحتلال ، بل بالعكس ، لا يمكن أن يكون ، بالنسبة لسكان المخيم محل شبهة . و حسب تقرير نشرته جريدة الاستقلال الناطقة باسم حركة الجهاد الإسلامي (21/6/2001) أعدّه مراسلها أكرم غالي ، فإن العميل المذكور الذي كان عمره لدى إلقاء القبض عليه (52) عاماً ، رجلاً ميسور الحال و له وضع اجتماعي و يحظى بالاحترام من قبل المواطنين ، مواظباً على الصلاة ، و يساعد المحتاجين ، و يحرص على القيام بواجباته الاجتماعية اتجاه الناس . و حسب اعترافه فإنه ارتبط مع المخابرات الصهيونية عام 1982 على يد ضابط مخابرات صهيوني يدعى (أبو طومر) .
و أوكلت له في بداية ارتباطه مع المخابرات الصهيونية ، مهمة جمع معلومات عن المناضلين في مكان سكناه ، و بعد تأسيس (قسم) ، طلب منه مراقبة الشهيد محمود الخواجا ، و فيما بعد زوّدته المخابرات الصهيونية بهاتف نقال ، ليمدّ مسؤوله الاستخباري بالمعلومات أولاً بأول .

و لم يكتفِ ما قيل إنه العميل (م.ش) برصد تحرّكات الشهيد الخواجا من بعيد ، فاستغل صلة القربى و الجوار ، و أخذ يوثق علاقاته مع الشهيد ، و يزور بيته باستمرار ، و أحياناً يدخل البيت بدون استئذان و في إحدى المرات مرة دخل غرفة كان يوجد فيها الشهيد محمود الخواجا مع بعض رفاقه من مقاومي (قسم) و كانوا يحملون أسلحتهم ، فمنعه الشهيد محمود و أغلق الباب في وجه .
و كان (م.ش) ينقل ما يرصده إلى مشغّله المباشر في المخابرات الصهيونية ، و تفرّغ ، بعد أن أتاه أمر بذلك ، في مراقبة محمود و رصد تحركاته ، و حسب اعترافاته ، فإنه قبل اغتيال الشهيد الخواجا بنحو عشرة أيام ، أعطيت له دورة مكثفة في الرسم (الكروكي) و قام بناء على طلب مشغّله برسم المنطقة التي يسكن فيها الشهيد الخواجا بتفاصيلها .
كان محمود الخواجا ، قد وقع في المحظور الأمني ، الذي يمكن أي جهاز مخابرات و ربما أي جهة من النجاح في تنفيذ عملية اغتيال و قتل ، فخط سير الشهيد محمود اليومي إلى عمله معروف و ثابت و روتيني ، و في صباح يوم الاغتيال ، أعطى (م.ش) عبر جهاز الهاتف النقال الذي بحوزته لمشغله المعلومات المطلوبة ، عن تحركات الخواجا : خروجه من المنزل .. سيره .. تحركه ، حتى توارى عن نظره ، فدخل لتناول إفطاره ، بينما كانت رؤيا محمود الخواجا التي أبلغ زوجته بها فور استيقاظه من النوم صباح ذلك اليوم ، أنه شاهد ثلاثة أشخاص يطلقون عليه النار فيستشهد ، و كان يتحدّث بروح مرحة و معنويات مرتفعة ، تتحقق .
كانت شوارع مخيم الشاطئ في ذلك الصباح (22/6/1995م) خالية إلا من بعض الطلبة الذاهبين لتقديم امتحانات الثانوية العامة ، عندما خرج القتلة الثلاثة من سيارتهم البيجو 404 ، و اقتربوا من محمود و عاجلوه برصاصهم من كواتم الصوت ، و التي ذكر تقرير طبي فيما بعد ، أن تسعة منها أصابت الشهيد ، منها رصاصة اخترقت رأس الشهيد و أخرى أسفل عينيه و ثالثة اخترقت رقبته . و عندما تنبّه الناس إلى ما حدث كان القتلة يخلون مسرح الجريمة .
و خلافاً لبعض التقديرات ، التي تشير إلى أنه ربما متعاونون مع الاحتلال نفّذوا العملية ، فإن هذه الفرضية لا تلقى قبولاً لمتتبعي النشاط الصهيوني في مجالات الاغتيالات ، فـ (إسرائيل) لم (تغامر) بتوكيل مهمة اغتيال إلى أحد عملائها من العرب و ربما لذلك أسبابه ، منها أنها لم تنجح (إسرائيل) حتى الآن بتجنيد عميل فلسطيني (أيديولوجي) لصالحها و لذلك فإنها تبقى (مغامرة) غير محسوبة ، و منها أيضاً أن (إسرائيل) لا تكشف خيوط القصة كاملة للعميل ، مثل آخرين فإن (م.ش) مثلاً الذي أدلى باعترافات كاملة عن تعاونه من المخابرات الصهيونية و رصده للشهيد الخواجا ، أنكر مشاركته بعملية الاغتيال أو معرفته بالذين قاموا بها أو علمه حتى بأن هناك نية لتنفيذ عملية اغتيال ، و إن كان هذا لا يعفيه من المسؤولية ، فإنه يشير ، مع اعترافات سابقة لعملاء آخرين ، إلى أن (إسرائيل) تستخدم عملاءها للمساعدة في تنفيذ عمليات الاغتيال دون أن يعرفوا تفاصيلها أو كنهها .
و يبقى الاحتمال أن عملاء صهاينة محترفين ، هم الذين قتلوا الخواجا ، و تجرّءوا و دخلوا (أرض العدو) لينفذوا عملية اغتيال هم لا شك متدربين عليها جيداً ، و هو أسلوب نادراً ما لجأت إليه المخابرات الصهيونية بعد ذلك في الأراضي الفلسطينية حيث كانت تستخدم تقنية (أقتل عن بعد) كما حدث في سلسلة الاغتيالات الرهيبة خلال انتفاضة الأقصى .
و اتضح فيما بعد ، أن قتل قائد (قسم) ما هو إلا خطوة في تنفيذ قرار (إسرائيل) باستهداف حركة الجهاد الإسلامي ، فكانت الخطة الأكبر اغتيال زعيم الجهاد الأول : الدكتور فتحي الشقاقي ، الذي يطلق عليه رفاقه لقب المعلم .

تغييب المعلم
و بتاريخ 25/10/1995 الساعة الواحدة ظهراً و بينما كان رجل يحمل جواز سفر ليبيا باسم (إبراهيم الشاويش) يخرج من فندق (الدبلوماسي) بحي (سليمة) بجزيرة مالطا ، كان رجلان ينتظرانه خارج الفندق ، و تقدّم منه أحدهما و أطلق على رأسه خمس رصاصات من مسدسٍ كاتم للصوت و قفز على دراجة نارية كان يقودها زميله .
و سقط إبراهيم الشاويش ، الذي عرف بعد (24) ساعة باسمه الحقيقي الدكتور فتحي الشقاقي ، أمين عام حركة الجهاد الإسلامي الشاب ، الذي هجّرت عائلته من قرية زرنوقة قضاء يافا عام 1948 ، و كان من الجيل الأول من أبناء اللجوء الفلسطيني الذي رأى النور في المخيمات ، فهو من مواليد عام 1951 في مخيم رفح على الحدود المصرية الفلسطينية ، درس في جامعة بيرزيت في الضفة الغربية و عمل مدرساً في القدس ، و توجّه إلى مصر و درس الطب و عمل طبيباً في مستشفى أوغستا فكتوريا على جبل الزيتون بالقدس .
هذا الرجل كان موضوع النقاش في أحد البيوت السرية التابعة للموساد في تل أبيب ، بعد أن تأكّد مدير الموساد شبطاي شفيت من أجندة تحركاته المقبلة ، و ذلك ، حسب معلومات يعتقد أن شافيت نفسه سربها ، بعد أن راقب عميل للموساد في دمشق ، حيث كان يقيم الشقاقي منفياً ، منزل الشقاقي مستعيناً بجهاز أمريكي إلكتروني مطوّر استطاع إبطال عمل قاطع الردارات الدفاعية في نظام الاتصالات المثبت في شقة الشقاقي .
تقرّر في تل أبيب خطة اغتيال الشقاقي بعد خروجه من دمشق إلى ليبيا و عودته عن طريق جزيرة مالطا ، و ناقش خطة الاغتيال ، في ذلك البيت السري في ضواحي تل أبيب : شبطاي شافيت : مدير الموساد ، و أوري ساغي : مدير الاستخبارات العسكرية ، و دوري تامير : كبير ضباط الاستخبارات في الجيش الصهيوني ، و وضع هؤلاء اللمسات الأخيرة على خطة الاغتيال .
في 24/10/1995م غادر عميلا الموساد : جيل و ران تل أبيب ، و وصلا جواً بجوازي سفر بريطانيين إلى مالطا : ران من أثينا ، و جيل من روما ، و نزلا في فندق دبلومات الذي نزل فيه الشقاقي في الليلة السابقة بعد قدومه من ليبيا .
و في هذه الأثناء ، و كما يروي الصحافي جوردان طوماس ، كانت سفينة شحن (إسرائيلية) تتخذ لها موقعاً قرب جزيرة مالطا ، بعد أن أبحرت من ميناء حيفا ، و اتصل ربانها بالسلطات المالطية لإخبارها بأن عطلا أصابها و لذلك ستبقى بالقرب من الشاطئ حتى إصلاح العطل . و الذي لم يكن يعرفه أحد هو وجود شبطاي شافيت الرجل الأول في الموساد و مخطّط العملية على ظهر السفينة يعاونه فريق متخصص بالاتصالات كانوا على اتصال مع عميلي الموساد بواسطة أجهزة لاسلكية .
و في اليوم التالي 25/10/1995م أطلق أحد عملاء الموساد النار على الشقاقي و فرّ على دراجة كانت تنتظر يقودها العميل الآخر ، و اختفيا الإثنان و استقلا زورقاً إلى حيث السفينة الصهيونية (المعطلة) ، التي لم تعد كذلك حيث اتصل ربانها من جديد مع السلطات المالطية و أخبرهم أنه تم إصلاح العطل و أن السفينة ستعود إلى ميناء حيفا للمزيد من عمال الصيانة .
و هكذا تم اغتيال الشقاقي الذي بدأ نشاطاته التنظيمية منذ منتصف الستينات ، حيث أسس كما قال و هو لم يتجاوز الخامسة عشر عاماً ، تنظيماً شبابياً صغيراً تأثراً بتجربة عبد الناصر ، و في نهاية السبعينات من القرن العشرين كان أحد المؤسسين الرئيسين لما عرف باسم حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين ، و أصبح زعيماً لهذه الحركة التي كانت الحركة الإسلامية التي تدخل ميدان العمل الوطني الفلسطيني ، الذي كان (حكراً) على التيارات الوطنية و القومية و اليسارية .
و كثيرون من الباحثين يعتقدون أن الفترة التي قضاها في مصر كان لها تأثير كبير و مهم عليه ، خصوصاً و أنها توافقت مع ثورة الخميني في إيران ، و بلغ تأثره بتلك الثورة إلى حدٍّ جعله يضع كتاباً عن تلك الثورة مما عرضه للاعتقال في مصر و كان ذلك عام 1979م .
و تعرّض للاعتقال على أيدي سلطات الاحتلال عدة مرات بين عامي 1983 و 1986 ، ثم أبعدته سلطات الاحتلال عن فلسطين في شهر آب 1988 ، بعد اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الكبرى في فلسطين .
و بعد عملية الاغتيال اتجهت الاتهامات من جديد ، إلى الموساد و وجدت الدراجة النارية فيما بعد و هي تحمل لوحة مزورة ، و لم يظهر عليها بصمات ، و كما هو متوقع لم تفلح الشرطة المالطية بالقبض على القاتلين .
و كما ذكرنا ، لم يكونا فقط قاتلين ، بل كانت هناك شبكة كاملة من الموساد شاركت في الاغتيال ، و هذا ما كان يعرفه الجميع حتى أن المعلق الصهيوني البارز زئيف شيف قال في لقاء بثه التلفزيون العبري في 29/10/1995 (إنني لا أصدق أن أمراً كهذا يمكن أن يحدث فقط بوجود شخصين) . و أضاف : (إن أولئك الذين يقومون بالضغط على الزناد ليسوا وحدهم و إنما وراءهم الكثير من عملاء الموساد) .
و كان معروفاً للمراقبين أن الموساد استهدف الدكتور الشقاقي بعد سلسلة عمليات استشهادية تبنّتها حركة الجهاد الإسلامي التي يتزعمها الشقاقي ، و هزّت الكيان الصهيوني .
و بعد استشهاده ، استعرضت صحيفة (يديعوت أحرنوت) العبرية قائمة جزئية للعمليات التي تنسبها (إسرائيل) لحركة الجهاد الإسلامي ، و لسان حالها يقول (لهذا السبب تم اغتياله) و من بين هذه العمليات :
•مقتل خمسة (إسرائيليين) طعناً بالسكاكين في أسواق غزة (1986) .
•مقتل الرائد رون طال قائد الشرطة العسكرية (الإسرائيلية) في قطاع غزة (2/8/1986) .
•مقتل ضابط المخابرات (الإسرائيلية) لمنطقة جباليا في كمين (22/9/1087) .
•مقتل فكتور أرجوان مدير الشاباك (الإسرائيلي) في قطاع غزة (5/10/1987) .
•قيام عضو في الجهاد بالسيطرة على الحافلة (405) المتجهة من تل أبيب إلى القدس ، و حرف مسارها نحو وادي مما أدّى إلى مقتل 16 شخصاً و إصابة 25 آخرين (6/7/1989) .
•مقتل و إصابة العشرات من (الإسرائيليين) في عمليات نفّذها حاملو السكاكين (ما بين عامي 1989 - 1993) .
•مقتل امرأة صهيونية و إصابة سبعة آخرين بعد انفجار عبوة ناسفة تحت سيارة كانت تمر قرب مستوطنة متتياهو (17/10/1992) .
•مقتل قائد وحدة مكافحة الإرهاب في شرطة (إسرائيل) و اثنين من الجنود في اشتباك مع عنصرٍ من الجهاد الإسلامي في جنين (11/12/1992) .
•سائق شاحنة ينتمي للجهاد الإسلامي يهاجم قافلة سيارات تابعة للإدارة المدنية فيقتل مدير الضرائب في مدينة غزة و اثنين آخرين مرافقين له (2/8/1993) .
•صعد مسلح إلى الحالفة (461) في مفترق طرق حولون ، و أطلق النار على الركاب مما أدّى إلى مقتل شخص واحد (5/12/1993) .
•عضو في الجهاد الإسلامي يقتل مسئول آمن المستوطنات في منطقة لخيش و يصيب عدة جنود بجراح (7/4/1994) .
•قتِل الجنديان أرز بن باروخ و موشيه بورقة ، جرّاء إطلاق النار عليهما قرب حاجز آيرز في قطاع غزة (20/5/1994) .
•عملية استشهادية استخدمت فيها دراجة هوائية ، قرب مستوطنة نتساريم ، أدّت إلى مقتل ثلاثة ضباط و جنديين و إصابة أربعة من حرس الحدود بجروح (11/11/1994) .
•عمليتان استشهاديتان في مفترق طرق بيت ليد ، أدّتا إلى مقتل 22 جنديا و إصابة 68 بجروح (22/1/1995) .
•عملية استشهادية بسيارة ملغومة قرب الحافلة (26) في مستوطنة كفار داروم ، مما أدّى إلى مقتل ثمانية منهم سبعة جنود و إصابة 35 بجروح.
و ربما اتخذ قرار اغتيال الشقاقي منذ فترة بعد تصاعد عمليات الجهاد الإسلامي و تأكّد مسئوليته المباشرة عنها بالنسبة للصهاينة ، و لكن على الأرجح أن العمليات الاستشهادية المتصاعدة سرّعت في تنفيذ القرار ، و هو ما كان يشعر به الجميع و أولهم ، بالطبع الشقاقي نفسه .
و يمكن الإشارة إلى عملية بيت ليد الاستشهادية التي نفّذها استشهاديان من حركة الجهاد يوم 22/1/1995 و التي أسفرت عن مقتل 22 جنديا صهيونياً ، و إصابة العشرات غيرهم كانوا ينتظرون في مفرق بيت ليد ، و تتفق المصادر الفلسطينية و الصهيونية عن مسئوليته عن تلك العملية التي أثارت في حينه ضجة كبيرة ، و كان لا بد للصهاينة من التخلص منه .
و بعد هذه العملية التي رفعت أسهم الشقاقي و حركته ، أدلى بحديث لجريدة المجد الأردنية (24/1/1995) قال فيه : (يهمنا أن نؤكد مجدداً بمناسبة عملية بيت ليد البطولية أن المبرر الأساسي لتشكيل و استمرار حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين هو مواجهة العدو مواجهة شاملة و الكفاح المسلح هو ذروة هذه المواجهة الشاملة ، و هذه العملية تأتي في سياق جهادنا المستمر منذ سنوات رغم إمكانياتنا الضعيفة و المحدودة بسبب صعوبات كثيرة) .
و يقرّ الشقاقي أن تلك العملية و العمليات المشابهة هي ضمن خطة لإفشال ما اعتبره سلاماً مدنساً يعطي كل شيء للصهاينة و لا يعطي للشعب الفلسطيني إلا الهباء .
و أضاف الشقاقي إلى كلامه أن حركته (في سباق مع ما يسمونه عملية السلام التي نعتبرها محاولة لتكريس الاحتلال الصهيوني لفلسطين كل فلسطين ، و محاولة لاختراق كل منطقة الحوض العربي الإسلامي و فرض الهيمنة الأمريكية - الصهيونية على كل هذه المنطقة و صناعة شرق أوسط جديد يكون العدو الصهيوني فيه القوة الأساسية و المركزية ، و تلغي فيه دور الدول التاريخية من سوريا إلى مصر إلى العراق إلى إيران إلى الرياض ليبقى الدور فقط لهذا العدو الصهيوني ، الذي يريد أن تكون العلاقات بين الدول علاقات اقتصادية بعيدة عما يريد أن يوهمنا أنه أوهام الأيدلوجيا و أوهام الصراع القومي و أوهام صراع الحضارات) .
و رداً على تهديدات رئيس وزراء (إسرائيل) إسحاق رابين بالانتقام من منفّذي عملية بيت ليد التي أثارت ضجيجاً كبيراً قال الشقاقي : (يبدو أن "الإسرائيليين" لم يدركوا بعد أننا نحبّ الموت كما يحبون الحياة ، و كأنهم لم يلحظوا أن كلّ محاولاتهم للقتل و الاغتيال لم تكن إلا لتزيد الثورة اشتعالاً ، .. هذه قضية عادلة لشعبٍ كله مظلوم و لأمة تريد أن تحيا خارج سيطرة القوى الكبرى ، و خارج هذه الهيمنة المستمرة منذ عشرات السنين) .
و أضاف : (.. و كأن رابين ، الذي يهدّد و يتوعد ، لم يلاحظ مثلاً أن اغتيال تهاني عابد أحد نشطاء و مسئولي حركة الجهاد الإسلامي جعل مزيداً من الشباب أكثر استعداداً للاستشهاد ، و جعل العديدين ينضمون للمجموعات الاستشهادية التابعة للجهاد الإسلامي) .
كان منفّذو العمليات الاستشهادية يعملون في تلك الفترة التي تم التبشير فيها بما عرف باسم (عملية السلام) في ظروف غاية في الصعوبة و بأجواء ملبّدة ، فعدا عن ملاحقة أجهزة السلطة لهم ، فقد كان كثيرٌ من النخب الفلسطينية المثقفة و السياسيين و الأكاديميين يرون فيما يقومون به نوع من "الانتحار" ، و كان مؤلماً جداً أن يستنكر هؤلاء تلك العمليات ، و دون يولوا انتباهاً ، كانت تستحقه ظاهرة من أنبل ظواهر العمل الوطني الفلسطيني و الإنساني : العمل الاستشهادي ..!
و في حين مثلاً كان إحراق الرهبان البوذيين لأنفسهم احتجاجاً على العدوان الأمريكي لفيتنام يثير العالم ، و ينبه لعدالة القضية الفيتنامية ، و يكسبها احتراماً متزايداً ، فإن العمل الاستشهادي في فلسطين ، على الأقل في تلك السنوات المغبرة تعرّض لظلم كبير ، و إذا كان يصح لي التدخل هنا لتسجيل ملاحظة في هذه القضية لقلت ، بكثير من الموضوعية إن موقف تلك النخب بالنسبة للعمل الاستشهادي هو وصمة عار في جبينها ..!
و ظلم كبير لرجل بحجم فتحي الشقاقي .. ، الذي كان يبشّر سياسياً بأهمية ما يقوم به رجاله لتحقيق الهدف الاستراتيجي من خلال الموقف من (فلسطين كنواة لمشروعنا النهضوي) كما قال في حديث لجريدة الشرق الأوسط (17/3/1995) معتبراً القبول بشعار إقامة دولة فلسطينية بجانب (إسرائيل) تقزيماً للمسألة .
و كان يعرف أن هذا الموقف هو حقيقة سباحة ضد التيار كما وصفها سؤال لجريدة الشرق الأوسط ، و ردّ عليه (تضطر في أحيان كثيرة أن تسبح ضد التيار لتنقذ نفسك أو تنقذ آخريين ، كلّ الأنبياء سبحوا ضد التيار و لو في البداية على الأقل ، و هكذا فعل كلّ الثوار العظام و المبدعين ، السباحة ضد التيار أمر صعب و لكنه ليس عيباً أو خطأ و في أحيان كثيرة يكون عين الصواب) .
و في حديث لمجلة الوسط اللندنية (30/1/1995) تحدّث عن أهمية (العملية الأخيرة) التي نفّذها رجاله في حينه قائلاً : (إنه تأتي في سياق جهادنا و نضالنا المستمر ضد الاحتلال منذ سنوات ، و لكننا في هذه المرحلة نجد أنفسنا في سباق مع المشروع الأمريكي - الصهيوني الذي يراد فرضه على المنطقة) .
و يقول إن رجاله الذين نفّذوا تلك العملية أرادوا ، بالإضافة إلى أمور كثيرة ذكرها تعليم الأمة درساً (مفاده أننا بالإرادة نستطيع أن نفعل كل شيء ، و أن عملية بإمكانيات بسيطة كهذه يمكن أن تحدث هذا الزلزال) .
و بعد كل عملية كانت (إسرائيل) تطلق تهديدات بالانتقام ، و رداً على تهديدات إسحاق رابين قال الشقاقي للوسط (30/1/1995) إن الشعب الفلسطيني يخوض منذ عقود معركة متواصلة و يواجه التهديد منذ قيام (الكيان الصهيوني) .
و قال الشهيد الشقاقي ، بما يمكن اعتباره ، درباً اختاره الرجل بكل قناعة : (عندما بدأنا نحن هذا الطريق ، كنا نعرف أن تكاليفه صعبة جداً ، لكن هذا واجبنا و خيارنا المقدس ، على المستوى الشخصي لا تهمّني التهديدات ، و أنا أعتقد أني عشت أكثر مما كنت أتصوّر ، و دم الشهداء هو الذي ينجب المزيد من المقاتلين و يصعد المواجهة ضد الاحتلال) ..
و كان هناك تصاعداً ، في داخل (إسرائيل) بالدعوة للانتقام من الشقاقي ، حتى أن آرييل شارون أحد زعماء حزب الليكود دعا إلى ترحيل كلّ من له صلة بعائلة الشقاقي من فلسطين رداً على عمليات الجهاد الإسلامي الاستشهادية ، و رداً على سؤال لصحيفة الشرق الأوسط السعودية (17/3/1995) للدكتور الشقاقي عن (موقفكم في حال تنفيذ طلب شارون) قال الشهيد : (الشعب الفلسطيني هو الذي يحارب الاحتلال و ليست هذه العائلة أو تلك و أنا ابن الشعب الفلسطيني و ابن فلسطين قبل أي شيء ، أرض فلسطين بالنسبة لي فرض صلاة لا أساوم عليها تحت أي ظرف من الظروف ، و أعتقد أن "الإسرائيليين" الذين صارعتهم و صارعوني في غرف التحقيق و التعذيب ، يدركون جيداً أنه لا يغرني أي ترغيب ، و لا يخيفني أي ترهيب ، و أنا أحيل آرييل شارون و قبله إسحاق رابين لقراءة جلسة المحكمة العسكرية الاستشارية التي نظرت في مسألة إبعادي عام 1988 ، لقد قلت لهم في قاعة المحكمة : لا أدري بأي صفة أخاطبكم ، إن كنتم ممثلين للشعب اليهودي فكيف تتكلمون عن عذابات اليهود في التاريخ و اضطهادهم ثم تأتون اليوم لتمارسون التعذيب و الاضطهاد ضد شعب آخر ، و إن كنتم تمثّلون الحركة الصهيونية فاعلموا أنني سأقاتل الحركة الصهيونية حتى آخر قطرة من دمي طالما أن الحركة الصهيونية تحلّ مشاكل اليهود على حساب شعبنا ، و إن كنتم تمثلون دولة (إسرائيل) فلا أراكم مؤهلين للنظر في قضية إبعادي من وطني كما أبعدتم والدي من قريته قبل أربعين عاماً) .
و يمكن أن يتفق جميع الشعب الفلسطيني مع ما ذهب إليه الدكتور الشقاقي في وصفه لمدى شرعية الاحتلال و لكن هذا لم يشكّل سبباً كافياً لمنع إبعاد والده (و معه آلاف من أبناء الشعب الفلسطيني) و إبعاده ( مثل آلاف غيره) و أخيراً تنفيذ حكم الإعدام فيه (مثل عشرات غيره) .
و كانت سلطات الاحتلال اتخذت بالفعل إجراءات ضد زوجة الشقاقي و أبنائه عندما عادت زوجته (فتحية الخياط) إلى مسقط رأسها بالقدس ، بعد أن زارت زوجها المبعد ، و تعرّضت فتحية إلى مضايقات كثيرة من المخابرات الصهيونية و إلى استجوابات و أخيراً إلى الإبعاد فقط لكونها زوجة الدكتور الشقاقي .
و في مقال له في صحيفة يديعوت أحرنوت بتاريخ 27/11/2000 انتقد فيه المستشرق غي باخور سياسة الاغتيالات كتب (بات من المألوف أن نسوق اغتيال زعيم الجهاد الإسلامي فتحي الشقاقي في عام 1995 ، كمثالٍ للنجاح السياسي للاغتيالات ، ذلك لأن عمليات الجهاد الإسلامي انخفضت جداً بعده ، و لكنها سريعاً ما تجدّدت) .
و لكن الأمر لم يكن بنفس وجهة النظر هذه لدى اغتيال الشقاقي ، فمثلاً كتب زئيف شئيف في هآرتس بعد اغتيال الشقاقي ، مقارناً بين اغتياله و اغتيال آخرين كان جرى نقاش داخليّ و تباين وجهات النظر ، كما يقول في قرار تنفيذ الاغتيال مثلما حدث مع أبي جهاد عام 1988 الذي كان لديه استعدادٌ لحل سلمي مع (إسرائيل) ، أو عباس موسوي الذي (على الرغم من أنه دعم أيديولوجيا فكرة تصفية الدولة اليهودية ، فإنه لم يفجّر الباصات في المدن (الإسرائيلية) ، و كان مستعداً أن يكتفي بانسحاب الجيش من جنوب لبنان) .
و لكن لماذا كان الشقاقي ، حسب وجهة النظر (الإسرائيلية) مختلفاً ؟
يقول شيف في مقاله إن الشقاقي لم يكن لديه ذرة استعداد للتوصل إلى حلّ سلمي ، و أن منظمته عارضت (حتى وقف إطلاق نار مؤقت ، و بذلك تحوّلت عملياً لعدو عملية السلام) . و يقول شيف إن قتل الشقاقي رسالة موجهة إلى من يرسلوا (الانتحاريين) و يجلسون في الخلفية مرتاحين ، أنهم هم الهدف أكثر من (المنتحر) نفسه .
و يعبر شيف عن التيار الغالب في (إسرائيل) الذي يرى أن هناك جدوى لعمليات الاغتيال لأشخاص يرونهم مثل الشقاقي ، معتبراً ذلك جزءاً من حرب مستمرة فرضت على "الإسرائيليين" (لا نكسبها بضربة واحدة ، بل على مراحل و بالقدرة على الصمود) ..
و بعد أن يعترف أن هناك أمثلة لـ (إرهابيين لم يساهموا كثيراً في الحرب) يعطي أمثلة على آخرين أثبت سلاح التصفية نجاعته (كان في الجهاد الإسلامي تيار مهم بقيادة حمدي سلطان ، ثلاثة من زعمائه تم اغتيالهم في شباط 1988 في لارنكا ، و منذ ذلك الوقت غاب هذا التيار عن الساحة ، و هناك اغتيال زهير محسن في تموز 1979 قائد الصاعقة ، التي كانت التنظيم الثاني بقوته حجمه بعد فتح ، أدّى الاغتيال إلى الانهيار البطيء للتنظيم) .

***
لدى ظهور فتحي الشقاقي على ساحة العمل الوطني الفلسطيني ، كان الانطباع عنه أنه مختلف ، و ربما كان تنظيمه أول تنظيم فلسطيني يخرج من (عباءة) الاحتلال الصهيوني للضفة الغربية و قطاع غزة عام 1967م ، بالمعنى الإيجابي لكلمة (عباءة) ، ففي حين كان الثقل القيادي الفلسطيني في الخارج في عمان و ثم في بيروت و أخيراً في تونس ، خرجت حركة الجهاد الإسلامي و كأنها تنظيم بالأساس ثقله في الداخل ذو امتدادات خارجية .
و في لقاء له مع صحيفة الشرق الأوسط (17/3/1995) استعاد الإرهاصات التي أدّت إلى ولادة حركة الجهاد الإسلامي ، و مما قاله الدكتور الشقاقي عن نفسه و عن رفاقه : (كانوا شباناً صغاراً في المدارس الثانوية و الإعدادية عندما حدثت هزيمة 1967 التي تركت أثراً هائلاً عليهم و لقد كنت واحداً من هؤلاء الذين شعروا حينها و كان عمري 16 سنة بمرارة و حزن نادرين إثر تلك الهزيمة التاريخية الكبرى ، لقد هزّتني من الأعماق إذ ألقت بنا في فراغ بلا ضفاف ، كانت أياماً و شهوراً صعبة تلك التي تلت الهزيمة شعرت فيها مع غيري ، و أجزم أن من بينهم أولئك الشباب الذين شاركت معهم في تأسيس الجهاد الإسلامي لاحقاً ، شعرنا بعدم التوازن ، و دعني أقرّر مرة أخرى أن ما يسمّيه الغرب خطأ بظاهرة الأصولية الإسلامية و نسميها نحن ظاهرة الصحوة و العودة إلى الله ، لقد ألقيت بذرتها في ذلك اليوم المر (5/6/1967) حيث سقطت أشياء كثيرة إن لم نقل كل شيء ، و لم نجد مع الأمة سوى الاعتصام بالله كمخرج من الأزمة و لتحقيق التوازن النفسي ، و الانطلاق نحو آفاق أرحب على أسس أكثر رسوخاً و متانة ، لقد تم هذا بالتدريج و فكرة الجهاد الإسلامي بزغت في مرحلة لاحقة و نضجت أثناء دراستنا في مصر) .
كان الدكتور الشقاقي كما ذكرنا درس في جامعة بيرزيت و عمل لمدة أربعة أعوام ، مدرساً في القدس ، و توجّه إلى مصر عام 1974 لدراسة الطب ، و هناك (التقينا كمجموعة من الشباب الفلسطيني و المتديّن و المثقف ، ذوي جذور و تجارب ثقافية و سياسية غنية ، اكتشفنا في سهراتنا و حواراتنا أن أغلبنا قرأ لـ شكسبير و دستوفيسكي و تشيكوف و سارتر و أليوت و آخرين و أيضاً نجيب محفوظ و بدر شاكر السياب و صلاح عبد الصبور ، كما قرأنا السيد جمال الدين الأفغاني و حسن البنا و باقر الصدر و سيد قطب إضافة إلى علوم إسلامية متفرقة و معارف إنسانية و تاريخية ، أذكر أنني كتبت ملاحظات نقدية على سارتر و أنا في السابعة عشرة مقالاً عن لينين في الذكرى المئوية لميلاده و كنت حينها في التاسعة عشرة) .
و يوضح كلام الشهيد الشقاقي ، نوع الخلفية التي أتى منها (مشروعه الإسلامي) المختلف عن (المشروع الإسلامي) التقليدي السائد و الذي كان يتمثّل في الإخوان المسلمين ، و الذين عانوا في كثيرٍ من الأحيان من سوء فهم في المجتمع الفلسطيني ، على خلفية بقايا ظلال الخلافات الحادة و الصدام الذي حدث بينهم و بين مشروع عبد الناصر القومي .
و في تلك المقابلة ذكر الشقاقي ، أنه قرأ في مرحلة التكون تلك (أوديب ملكا) لسوفكليس بالنص الإنجليزي أكثر من عشر مرات و في كل مرة (كنت أبكي بحرقة و لا أنام ليلتها دون إكمال المسرحية ، كما قرأت مأساة الحلاج لصلاح عبد الصبور أكثر من خمسين مرة ، و حفظت أنشودة المطر للسياب عن ظهر قلب ، و تركت ثلاثية نجيب محفوظ على حياتي أثراً لا يزول ، و عندما كتب محمود درويش (أحمد الزعتر) حفظتها عن ظهر قلب و ظننت حينها أنها أعظم القصائد التي كتبت باللغة العربية منذ أن عرفت هذه اللغة حروفها ، ربما بالغت أو بالتأكيد كنت كذلك و لكن بمعزل عن أي تقييم سياسي أو شخصي يبقى درويش شاعراً مبدعاً و نادراً) .
و في فترة التكوين تلك قرأ أولئك الشباب أيضاً (السيد جمال الدين الأفغاني و كان محل إعجابنا الشديد على حساب الشيخ محمد عبده الذي كان محل نقدٍ بالنسبة لنا قبل أن أكتشف في سنوات لاحقة أن الرجل كان يجب أن يحظى بمزيد من الاهتمام رغم أن تبايناً في النظر للسياسة لا يزال قائماً ، قرأنا من البداية رسائل الإمام البنا و أنا اليوم أكثر اهتماماً بما جاء بها من ذلك الوقت ، أما سيد قطب فكان تأثيره على جيلنا لا ينازع ، و قد بذلت جهداً لأخرج من إسار بيانه الكلاسيكي المدهش و كيف أنه قاد طريقه إلى مصرعه و استشهاده إلى رؤية نقدية و أكثر موضوعية دون أي مساس بالقيمة الأخلاقية ، و لا أنسى أن كتباً مثل (الفكر العربي في عصر النهضة) لألبرت حوراني و (المثقفون العرب و الغرب) لهشام شرابي و أخرى مثلها كانت محل دراسة و نقاش مستمر في أوساطنا) .
كانت تلك الإرهاصات التي قادت للولادة ، و التي اتسعت أجواؤها منذ منتصف سبعينات القرن العشرين ، و شملت حواراً (في مسائل منهجية حول الدين و العلوم الإسلامية و التاريخ الإسلامي و التاريخ الأوروبي الحديث و العالم و الواقع و مناهج التغيير قبل أن ينصبّ جلّ الأمر حول السؤال الفلسطيني حيث عايشنا بعمق و ألم و مخاض حقيقي إشكالية (وطنيون بلا إسلام و إسلاميون بلا فلسطين) ، فقد تعاملت الحركة الوطنية الفلسطينية في سنوات الستينات و السبعينات مع موضوعة الإسلام بالنفي و الاستبعاد أو باللامبالاة ، في نفس الوقت فإن التوجه الإسلامي نحو فلسطين قاصر لأسباب موضوعية و ذاتية أيضاً ، لقد توصّلنا في حواراتنا إلى ضرورة حلّ هذه الإشكالية من خلال مركزية القضية الفلسطينية بالنسبة للحركة الإسلامية و للأمة الإسلامية ، و اعتبار الإسلام كأيديولوجية منطلقاً و فلسطين هدفاً للتحرير والجهاد وسيلة و هكذا تحوّل الحوار الفكري إلى حوارٍ و مناخ سياسي أفرز نواة تنظيمية في نهاية السبعينات ، لقد تشكّلت نواة حركتنا أثناء الدراسة في مصر و خلال عامي 1980/198

فايز سليمان
Admin

عدد المساهمات : 446
السٌّمعَة : 1
تاريخ التسجيل : 20/11/2009
العمر : 65

http://almrikheon.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كم طلقة في مسدس الموساد .. منقول

مُساهمة من طرف فايز سليمان في الأحد 30 يناير - 13:35

[img]URL="http://majdah.maktoob.com/vb/up-orginal.php"][ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة][/URL[/img]

فايز سليمان
Admin

عدد المساهمات : 446
السٌّمعَة : 1
تاريخ التسجيل : 20/11/2009
العمر : 65

http://almrikheon.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى